كثيراً ما قلنا فى أكثر من مقام أننا فى حاجة ماسة لقانون جديد ينظم حق التظاهر، وذلك لعدة أسباب، منها أننا ما زلنا نعيش رغم حرية التظاهر عملياً فى ظل القانون رقم 10 لسنة 1914 بشأن التجمهر، والقانون رقم 14 لسنة 1923 الخاص بالاحتجاجات، وهما قانونان مقوضان لحق التظاهر والاحتجاج. من ناحية ثانية، إننا نعيش فى ظل بيئة مليئة بالأشواك الناجمة عن تداعيات ثورة 25 يناير، إذ رغم العديد من السمات التى أتت بها تلك الثورة، فإن أحد عيوبها كان عدم التفرقة بين الحرية والفوضى لدى كثير من الناس. من ناحية ثالثة، إننا فى إطار الأوضاع الدستورية والقانونية الجديدة نحتاج كباقى بلدان العالم المتمدين إلى تشريع ينظم هذا الحق مثلنا مثل الدول الديمقراطية.
لكن ماذا حدث فى الأيام الأخيرة؟ قامت السلطة الحالية بوضع مشروع جديد ينظم حق التظاهر، وبالطبع قامت الدنيا ولم تقعد، وكان محط هذا الكم الهائل من الإزعاج، يسأل عنه أكثر من طرف، فالسلطة نفسها تأخرت كثيراً فى إصدار هذا القانون وسط هذا التهريج، الذى يحدث فى الشارع من مسيرات وتظاهرات يومية تجافى الواحدة منها أبسط قواعد التظاهر السلمى، كما أنها أخطأت ثانياً فى أنها لم تقر مشروع قانون جديداً ينظم حق التظاهر الذى أعدته جماعة الإخوان المسلمين فى البرلمان الكاريكاتيرى المسمى مجلس الشورى، ولولا ثورة 30 يونيو لخرج هذا القانون الأعرج قبل نهاية يوليو، وهو قانون يقوض حق التظاهر، وقد أعد خصيصاً لمواجهة قوى المعارضة الليبرالية، بعبارة أخرى، كان لسان السلطة الحالى -لو حدث ذلك- هو العمل على اكتواء الإخوان بالنار التى سعروها لغيرهم، أما بعض جماعات حقوق الإنسان، فقد أخطأت هى الأخرى بنقدها لمشروع القانون الحالى بشكل مبالغ فيه، لأنها رجحت ما تقتات به من معونات أجنبية على مصلحة الدولة المصرية التى يسعى الإخوان لتمزيقها عبثاً فى الوقت الراهن، أى أن تلك الجماعات أصبحت دون قصد رأس حربة للإخوان.
ماذا يقول مشروع قانون مرسى ومشروع القانون الحالى؟ مشروع مرسى يقول فى م 5: يجب تقديم إخطار كتابى بالرغبة فى تنظيم مظاهرة إلى قسم أو مركز الشرطة المزمع بدء التظاهرة فى دائرته، وذلك قبل الموعد بثلاثة أيام على الأقل، ويتم ذلك الإبلاغ باليد بموجب إيصال أو إعلان على يد محضر أو بخطاب بعلم وصول. ويجب أن يتضمن الإخطار معلومات عن مكان وزمان التظاهرة، وخط سيرها، وعددها التقريبى، والمسئولين الثلاثة عنها، أما مشروع القانون الحالى، فرغم أنه أتى ببعض المتشابهات فى هذا الصدد، فإنه ينص على الإخطار قبل التظاهرة بـ24 ساعة فقط.
من ناحية أخرى، ينص مشروع مرسى فى «م 7» على تشكيل لجنة فى كل محافظة برئاسة مدير الأمن تتولى مع منظمى التظاهرة الاتفاق على الضوابط والضمانات الكفيلة بتأمينها وحماية الأرواح، أما بالنسبة للمسافة بين المتظاهرين والأماكن الأكثر حساسية التى يبغونها ويقصدونها، فقد حدد مشروع مرسى مسافة 200 متر كحد أقصى لا يجوز تخطيه لأى متظاهر، وذلك تجاه المنشآت العامة، وذلك مقابل 100 متر حددها المشروع الحالى.
وقد استفاد المشروع الحالى من مشروع مرسى بأن جرم أفعالاً مهمة هى عدم جواز التعدى على الأشخاص أو الممتلكات العامة أو الخاصة أو تعريضهم للخطر، أو غلق الطرق أو الميادين أو قطع خطوط السكك الحديدية أو المجارى المائية، أو وضع حواجز أو متاريس لتعطيل حركة المرور، أو حرق إطارات أو أخشاب أو إشعال مواد بترولية، أو حمل أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات أو ألعاب نارية، أو تجاوز الحرم المخصص بين المتظاهرين والمنشآت، أو نصب خيام أو منصات داخل الأماكن التى تتخطى الحرم المبين بين المتظاهرين والمنشآت التى يتم التظاهر أمامها، وارتداء الأقنعة التى تخفى الوجوه.
الشىء الوحيد الذى يبدو فيه تشديد فى مشروع القانون الحالى عن مشروع مرسى هو تشديد العقوبات. إذ بينما يحدد الأول تلك العقوبات ما بين السجن الذى لا يقل عن أسبوع ولا تزيد على 50 ألف جنيه لكل من خرق القواعد السابقة، ودون الإخلال بعقوبات أشد وفق قانون العقوبات (م17 من مشروع مرسى)، فإن مشروع القانون الحالى، يشير إلى السجن والغرامة التى تصل إلى 300 ألف جنيه لمن يخرق القواعد السابقة.
إن أى مشروع قانون لتنظيم حق التظاهر لن يشفى غليل قوى المعارضة على اختلاف مشاربها، لذلك نكرر ما قلناه منذ عدة أشهر، وهو إمكانية ترجمة قانون التظاهر الأمريكى أو الإنجليزى أو الفرنسى أو الإيطالى.. إلخ، حتى لا يرتزق على أعمال وأفعال السلطة أى مغرض، فى تلك المرحلة الحساسة التى يمر بها الوطن.