للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى ومن تبعهم مشكلتان مع ثورة 30 يونيو 2013:
الأولى: هى الفشل فى إيجاد توصيف لما جرى فى ذلك اليوم على غير الحقيقة، فتارة وصفوه بأنه انقلاب وتارة أخرى بأنه انقلاب ناعم، وفى أحسن الأحوال انقلاب ناعم مدعوم شعبيا، وقامت -ولا تزال- وسائل إعلام هذه الأطراف بجهد وبتركيز مكثف وبوسائل فنية مفضوحة (قناة الجزيرة نموذج) لإقناع الرأى العام بأن ما حدث ليس ثورة، الأمر الذى يكشف على الجانب الآخر قصورا إعلاميا فى الوصول بالحقيقة إلى أبعد من حدود مصر والدول الشقيقة والصديقة التى ساندت ثورة 30 يونيو.
الثانية: هى بزوغ نجم قيادة وطنية فى مصر، تحظى بشعبية تجاوزت حدود مصر إلى المنطقة العربية (الفريق عبدالفتاح السيسى) فلجأت تلك الأطراف إلى ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية إلى أبعد مدى سرا وعلانية، فهى وإن كانت فشلت فى الاحتفاظ بحلفائها الجدد (جماعة الإخوان) فعلى الأقل لا تريد قيادة وطنية يلتف حولها الشعب وترفع شعار استقلال القرار الوطنى.
فقد دعمت الولايات المتحدة جماعات الإسلام السياسى للوصول للحكم، كبديل لأنظمة حليفة فى المنطقة (نظام مبارك فى مصر) فقدت صلاحيتها، وفى ظل تهافت البدائل السياسية المدنية، وفى مجتمعات يسيطر عليها المزاج الدينى، وقد ساهمت الأنظمة الحليفة السابقة فى دعم هذا التوجه، عن طريق استخدام هذه الجماعات فزاعة، فكأن لسان حال تلك الأنظمة قد دل الأمريكان على البديل!
لكن التجربة المريرة لجماعة الإخوان فى حكم مصر دفعت الشعب للثورة عليها، ووضع القدر على طريقه قيادة وطنية تجاوبت مع مطالبه المشروعة باستعادة ثورة 25 يناير ممن سرقوها بدعم أمريكى.
لذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تضيف ثورة 30 يونيو شعار «الاستقلال الوطنى» إلى جانب شعارات ثورة 25 يناير، وأن ترفع صور الفريق السيسى إلى جانب صور قائد ثورة 23 يوليو 1952 الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، فى إشارة إلى أن من تآمروا (الإخوان والأمريكان) على ثورة 23 يوليو هم أنفسهم المتآمرون على ثورة 30 يونيو.
لم يكن مفاجئا فى هذا الإطار أن تحاول وسائل إعلام تلك الأطراف المشار إليها النيل من سمعة ومكانة عبدالناصر، وذلك عبر بث برامج دعائية تتحدث عن أخطاء ثورة يوليو، وأضرار سبّبها السد العالى، بعدما كانت هذه الوسائل نفسها تحتفل -من أجل تثوير الجماهير- قبل 25 يناير 2011، بعبدالناصر وثورة يوليو، فالغرب والولايات المتحدة يزعجهما بطبيعة الحال أن تسفر ثورة 30 يونيو عن نظام حكم يرفع شعار تحرير الإرادة الوطنية، الذى يتصادم مع المصالح الأمريكية فى المنطقة القائمة على التبعية.
لقد فشلت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها فى تغيير نوع المولود فى 30 يونيو، ولم يعد هناك سوى استمرار الضغوط من أجل الحفاظ على مصالحها فى مصر والمنطقة، وبات من الضرورى بناء علاقة مصرية أمريكية على أسس سليمة، ليست استراتيجية كما درج نظاما «السادات - مبارك» على تسميتها، فهى غير ذلك، سواء من الناحية النظرية أو العملية ولا من حيث الواقع ولا المأمول، وإنما يمكن أن تكون «علاقة حيوية» كما كان وزير الخارجية نبيل فهمى يصفها وكما سمعت منه -هذا التوصيف- منذ نحو عشرين عاما، تلك «العلاقة الاستراتيجية» كرست تبعية، تجلت فى المنظور الأمريكى لثورة 30 يونيو على جماعة الإخوان حلفاء الولايات المتحدة الجدد فى مصر، فقد كان موقف الجيش المساند لثورة الشعب على جماعة الإخوان أول قرار وطنى منذ 1974 لا ينتظر ضوءاً أخضر من الولايات المتحدة.
فواشنطن لا تريد فى مصر ولا فى المنطقة جمال عبدالناصر جديدا، الذى كانت جنازته والشعب يودعه كبدايته زعيما وطنيا، وإنما تريد رئيسا مثل السادات الذى كانت نهايته للأسف على عكس بدايته، قائدا لحرب أكتوبر المجيدة، وهى ترى فى الفريق عبدالفتاح السيسى بداية أقرب لبدايات عبدالناصر.
لقد كشفت مسارات الأحداث فى مصر والمنطقة بعد ثورة 30 يونيو، عن سياسة أمريكية استعمارية جديدة، تعكس -حتى من وجهة نظر خبراء استراتيجيين أمريكيين- سوء تقديرات إدارة الرئيس باراك أوباما فى التعامل مع ثورة المصريين ضد الفساد والظلم والاستبداد، تلك التقديرات التى تهدد بتبديد أوباما لجهد ولاستثمارات رؤساء الولايات المتحدة السابقين فى العلاقات المصرية الأمريكية، الأمر الذى يعنى أن أوباما قد يسلم الرئاسة للرئيس الأمريكى القادم بدون مصر.