كشف الموقف الأمريكى والأوروبى من مصر عقب ثورة 30 يونيو الحاجة إلى تصحيح علاقات مصر الخارجية وسياساتها الاقتصادية، كما كشف أهمية انتهاج سياسات تسلح جديدة. فقد اتخذت الإدارة الأمريكية وحكومات أوروبا الغربية موقفاً سلبياً من عزل الدكتور محمد مرسى من منصبه كرئيس للجمهورية، واستندت فى ذلك إلى تدخل الجيش، وإذا كانت لم تعلن صراحة أن ما جرى هو انقلاب عسكرى فإنها تصرفت بالفعل على هذا الأساس. وتوقفت ألمانيا عن توريد معدات عسكرية كانت قد تعاقدت مع مصر عليها، كما قررت الإدارة الأمريكية تأجيل تسليم مصر 4 طائرات حربية حان موعد توريدها طبقاً لاتفاقيات سابقة، كما قررت تأجيل حزمة مساعدات اقتصادية إلى أن تتأكد أن مصر تمضى فى طريق إقامة حكومة مدنية منتخبة. وتعتبر هذه الإجراءات تدخلاً سافراً فى الشئون الداخلية المصرية وتجاهل أن ما جرى كان استجابة لتحركات جماهيرية واسعة النطاق. وكان لهذه الإجراءات تأثير سلبى على الاقتصاد المصرى الذى يعتمد بصفة أساسية على المساعدات الاقتصادية الخارجية والاكتفاء بمصدر واحد لتسليح الجيش المصرى هو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعنى دخول مصر فى حالة تبعية لتلك الدول التى تقدم لها المساعدات والمنح الاقتصادية والتى تزودها بكل احتياجاتها العسكرية. وكانت مصر قادرة بحكم هذا التنوع فى سياساتها الخارجية على انتهاج سياسة خارجية مستقلة، ورغم أنها كانت تعتمد فى تسليحها على دول المعسكرالاشتراكى فإن سياساتها الخارجية مكنتها من أن تكون طرفاً قوياً ونداً حقيقياً فى علاقاتها مع الاتحاد السوفيتى، خاصة أن هذه السياسة الخارجية كانت تساند نضال دول العالم الثالث ضد الاستعمار، وترفض الاشتراك فى الأحلاف العسكرية التى أنشأتها الولايات المتحدة لمحاصرة الاتحاد السوفيتى، وهو ما ساعدها على أن تكون فى مركز تفاوض قوى مع أى طرف خارجى. ونجح الاقتصاد المصرى فى تحقيق معدلات نمو عالية، من خلال الاعتماد على الاستثمار المحلى والأجنبى، فلم تعد فى حاجة إلى المساعدات الاقتصادية الخارجية وتحقق التوازن فى الاقتصاد المصرى بدرجة كبيرة. وفى عهد السادات ومع انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادى وتوقف سياسات التنمية التى يقودها القطاع العام وغلبة النزعة الاستهلاكية تزايدت حاجة الاقتصاد المصرى إلى المساعدات والمنح الخارجية، وتزايد الاعتماد على الخارج لتحقيق التوازن الاقتصادى وسد العجز فى الموازنة العامة والعجز فى ميزان المدفوعات. وقد ضاعف من أوضاع التبعية الاعتماد على مصدر واحد لتسليح الجيش المصرى هو الولايات المتحدة الأمريكية. وبمضى الوقت مع الاستمرار فى هذه السياسات ازدادت حاجة الاقتصاد المصرى إلى المساعدات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية، ولم تعد مصر قادرة على انتهاج سياسة خارجية مستقلة، وتحولت إلى أداة للاستراتيجية الأمريكية فى العالم وفى منطقة الشرق الأوسط، وتحولت فى عهد «مبارك» من مساند للنضال الفلسطينى إلى وسيط بين إسرائيل وفلسطين، وفقدت دورها القيادى عربياً. ومع هذا التراجع فى قدرة مصر على التأثير فى محيطها الإقليمى ضعف مركزها التفاوضى، ولم تعد تملك فى علاقاتها مع المانحين إلا الرضوخ لإرادتهم. ولم يعد مقبولاً أن يستمر هذا الوضع، فهذه فرصة لا تعوض بعد ثورتين لتصحيح سياسات مصر الخارجية ويتحقق ذلك عندما تنوع مصر علاقاتها الخارجية سواء فى المجال الاقتصادى أو المجال العسكرى، وزيادة الاعتماد على النفس اقتصادياً، هذا هو ما جربته مصر فى مرحلة سابقة من تاريخها فى حقبة الخمسينات عندما رفضت سياسة الأحلاف الأجنبية ورفضت إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها ونفذت خطة خمسية للتنمية ركزت بالدرجة الأولى على زيادة قدرات مصر الإنتاجية فى الصناعة والزراعة، فامتلكت القدرة على انتهاج سياسات مستقلة عن أى تأثير خارجى، وأصبحت نموذجاً ملهماً لكثير من الدول النامية.