«نتعايش» مع تجربة سنغافورة: نموذج لحل مشكلات مصر المزمنة

«نتعايش» مع تجربة سنغافورة: نموذج لحل مشكلات مصر المزمنة

«نتعايش» مع تجربة سنغافورة: نموذج لحل مشكلات مصر المزمنة

كسرت اليابسة، لدى ظهورها فى الأفق، ما ألفته عيناى من زُرقة المحيط الهندى طوال رحلة الساعات السبع من «أبوظبى»، التى كانت لنا «ترانزيت»، إلى جزيرة «سنغافورة»، المحاطة بالماء من كل جانب. اقتربت الطائرة، وأشرفت على الهبوط، فيما لم يعد يتبقى لها سوى 10 دقائق، كما بيّنته إذاعة الطائرة الداخلية.

انتهينا للتوِّ من قراءة بضعة سطور عن الدولة التى حجزت لنفسها، قبل 50 عاماً، مقعداً أساسياً بين أكثر اقتصادات العالم تقدماً، حيث قامت على التصنيع والخدمات المالية واللوجيستية، مما جعل البنك الدولى يصنفها كإحدى أفضل بلدان العالم للقيام بأعمالك التجارية.

على نقيض ما يشهده كثير من مطارات العالم من زحام، لم يستغرق زمن خروجنا من المطار وإنهاء إجراءات الدخول سوى دقائق معدودة، فكل شىء مُعد سلفاً.. هناك بوابات إلكترونية للجوازات، لم نعد بحاجة إلى ضابط الجوازات لمراجعة بياناتنا ليمنحنا ختم الدخول أو الخروج، إلا إذا كان جواز السفر لا يدعم تلك التقنية، عليك حينئذ الذهاب إلى ضابط الجوازات لمنحك إذن الدخول أو الخروج من البلد، وهو ما يسهّل مسألة الدخول أو الخروج من البلد بشكل سلس ودون أى تعقيد وبشكل آمن.

انطلقنا، إثر مغادرة المطار، فى شوارع الدولة ذات المدينة الواحدة التى تماثل مساحتها مساحة محافظة أسوان تقريباً، المحافظة التى تُعد واحدة من أصغر محافظات مصر من حيث المساحة.. الشوارع خلت من أى وجود فيزيائى لأفراد شرطة المرور، حيث تحكم التكنولوجيا كل شىء، فى مدينة لا يعرف قاطنوها أو زائروها سوى احترام القواعد والقانون. وقامت سنغافورة بتخفيف حدة الازدحام عن طريق تقليل أوقات انتظار الحافلات، لكونها مزودة بأجهزة استشعار توفر تقديرات دقيقة لوقت الوصول، وتأمل المدينة فى تحسين منظومة النقل العام من خلال تكنولوجيا دفع الأجرة رقمياً، من خلال بطاقات الائتمان أو الخصم المقبولة عالمياً.

{long_qoute_1}

قبل أشهر من زيارة المدينة، أطلقت هيئة النقل البرى السنغافورية و«ماستركارد» نظام التذاكر الإلكترونية، بما يسمح بالدفع المباشر لركوب وسائل النقل العام باستخدام بطاقات الائتمان والخصم، حيث اشتركت هيئة النقل البرى بسنغافورة مع «ماستركارد» فى إطلاق نظام تجريبى لنظام التذاكر القائمة على حساب المواصلات العامة، وذلك من خلال السماح بالدفع من خلال بطاقات الائتمان أو الخصم، وبذلك تكون سنغافورة هى الأولى فى آسيا فى تمكين هذا النظام.

تم إطلاق الإصدار التجريبى فى 20 مارس 2017، ليكون متاحاً فى جميع حافلات النقل العام والقطار، حيث يمكن للمقبلين اختيار رغباتهم من خلال بوابة «TransitLink ABT». ويتمكن حاملو البطاقات من الاستمتاع بتجربة دفع الأجرة إلكترونياً عن طريق النقر ببساطة على بطاقة الخصم أو الائتمان الخاصة بهم، وبذلك لن يضطروا إلى حمل بطاقة أجرة منفصلة، وإنما سيتم تحصيل رسومهم بسهولة من خلال تطبيق «TransitLink ABT Portal» أو خدمات الهاتف المحمول.

وتحتضن سنغافورة، اليوم، فى القرن الحادى والعشرين، تكنولوجيا المدينة الذكية لتمكّن كل من اقتصادها وشعبها من تحقيق النجاح. اختارت «سنغافورة» أن تسير على درب رئيس الوزراء السنغافورى «هسين لونج»، القائل: «نريد أن نغير حياتنا نحو الأفضل، ولدينا ما يلزم لتحقيق هذه الرؤية، القدرات والجرأة على جمع كل ذلك معاً، وتحقيق قفزة نوعية للأمام».

غابت عن محطات «المترو»، الشبابيك وموظفوها، غابت كذلك الطوابير الطويلة من البشر الراغبين فى شراء تذاكر الركوب، على رغم الكثافة العددية للركاب، فبإمكانك فقط تمرير بطاقة الدفع الإلكترونى على بوابات الدخول، حتى تتمكن من عبورها إلى الرصيف، واختيار وجهتك التى ما إن تصلها حتى تقوم بتمرير بطاقتك المصرفية، فيقوم الحاجز الإلكترونى بحساب المسافة والتكلفة، وخصمها من حسابك البنكى فى جزء من الثانية.

{long_qoute_2}

أخبرتنا إحدى الراكبات أن إدارة المترو فى «سنغافورة» تعمل على رصد حركة الركاب فى الأوقات المختلفة إلكترونياً، للمساعدة فى بناء خطط مستقبلية لتوسعة أعمال المترو من ناحية، وتحديد فترة تزامن قطارات المترو من ناحية أخرى، وفقاً لأوقات الذروة، بما يسهّل حركة الركاب ويخفض التكلفة. «الراكبة»، التى عرفناها باسم «وينجون تيو»، قالت إن الحكومة تستخدم هذه البيانات فى التوقعات المستقبلية لحركة النقل والمواصلات، بما يساعدها أيضاً، إلى جانب إحصاءات أخرى، فى الاستعداد لتطور كثافة الركاب على مدار السنوات المقبلة.

تمضى «وينجون تيو» قائلة: «سنغافورة قائمة على التطور التكنولوجى.. بإمكانك التصور أن التكنولوجيا هنا تحكم كل شىء تقريباً، ولا يمكن أن تتخيل مدى سهولة الحياة هنا باستخدام التكنولوجيا، فتطور المدفوعات الإلكترونية على سبيل المثال، ساعدنا على إنجاز كافة المهام اليومية بشكل سهل للغاية».

واحدة من المعاملات التجارية التى اختبرناها فى العاصمة السنغافورية، كانت عبر شراء إحدى أدوات التجميل من أحد «المولات التجارية»، وهى العملية التى خلت من ثقافة «الفصال»، إذ ما كان علينا إلا أن نقف أمام شاشة إلكترونية معروض فيها كافة المنتجات، وأن نختار المنتج، ونضع كارت الدفع الإلكترونى فى مكانه والرقم السرى، ثم ينتهى كل شىء.

فى المولات التجارية، لا تحتاج إلى الوقوف فى طوابير طويلة لسداد قيمة مشترياتك، المسألة مختلفة هنا فى سنغافورة، فما أكثر طرق السداد وأيسرها، ومنها تقنية الـ«QR Coad»، التى يمكنك من خلالها تصوير كود رقمى على المنتج أو السلعة، وتقوم بسداد قيمته من خلال هاتفك المحمول، أيضاً الأمر ذاته مع المطاعم والـ«تيك أواى» و«السوبر ماركت»، يمكنك من خلالها طلب السلع والسداد من خلال هاتفك المحمول.

لم نرَ شكل عملة البلاد من الأساس، فى زيارة استمرت نحو 4 أيام.. كزائر لا تحتاج إلى شركات الصرافة فى أغلب الأمر أو التعامل مع فروع البنوك لتغيير العملة، لأنك لم تعد فى حاجة إلى حافظة النقود، فقط كارتك البنكى يمكّنك من كل ذلك، حتى ركوب السيارات أو الشراء من المحلات الصغيرة أو المقاهى التى تقع فى شوارع سنغافورة أو ضواحيها.

{long_qoute_3}

كواحدة من أكثر المدن اتصالاً فى العالم، توفر سنغافورة للمواطنين إمكانية الاتصال بالإنترنت والمحمول بشكل ملائم وفعال وسريع من أجل العمل والترفيه والخدمات والتسوق. وبلغ معدل انتشار الهواتف المحمولة ما يقرب من 150%، ونظراً لارتفاع عدد سكان مدينة سنغافورة، الذى يبلغ 5.7 مليون نسمة، كان يتوجب عليها إدارة منظومة النقل بكفاءة، وقد ساعد على ذلك نظام التسعير الديناميكى للطرق القائم منذ عام 1998. وتستخدم سنغافورة تقنية المدن الذكية لزيادة تحسين تدفق الأشخاص وحركة المرور، وفى عام 2020 تستهدف سنغافورة تزويد المركبات بوحدات دفع إلكترونى، وتوفير معلومات عن حركة المرور فى الوقت الفعلى.

تعتبر سنغافورة أن تحسين جودة الحياة لمواطنيها لا يقل أهمية عن كونها مدينة جاذبة لرواد الأعمال، وذلك من خلال تحسين أنظمة التعليم والرعاية الصحية، وخفص معدلات الجريمة، وتوفير مناطق خضراء جذابة، ونظم نقل فعالة.

كما تسعى المدينة إلى أن تكون أكثر ترحيباً لجذب السياح، وتُعد سنغافورة واحدة من أفضل 10 وجهات سياحية فى العالم، وهى تجعل السفر سهلاً للسياح من خلال تطبيق «MyTransport.SG»، وذلك بعد أن حققت إيرادات سياحية بـ20 مليار دولار تقريباً باستقبالها أكثر من 17.6 مليون سائح العام الماضى.

ويساعد ذلك التطبيق المستخدمين على تخطيط رحلاتهم، سواء بالحافلة أو القطار أو السيارة أو سيارة الأجرة أو الدراجة، ويمكن للمسافرين الذين يستخدمون أكبر شركة سيارات أجرة فى سنغافورة (Comfort Taxis) حجز ودفع تكاليف سيارات الأجرة باستخدام تطبيق «Masterpass ™»، وهو عبارة عن محفظة رقمية تبسط عملية الدفع عبر القنوات مع حساب واحد آمن.

لسنغافورة تجربة رائدة فى الشراكات بين القطاعين العام والخاص، حيث تمتلك مناخاً صديقاً للأعمال، وتُعد منذ فترة طويلة مركزاً مالياً إقليمياً، تتمتع ببنية تحتية عالية التقنية للنقل، وميزانية ضخمة للأبحاث والتطوير، ونظماً ضريبية فعالة، ويحتل النظام التكنولوجى الجديد فى سنغافورة المرتبة الأولى فى آسيا والمرتبة العاشرة فى العالم، وتُعد الشراكات القوية بين القطاعين العام والخاص أساسية لتحقيق التقدم المستمر.

خصصت سنغافورة مساحات لاستخدامها من قبَل الشركات لتطوير الأفكار الجديدة وتجريبها، وفى الآونة الأخيرة، وقّعت «ماستركارد» مذكرة تفاهم مع مجلس التنمية الاقتصادية فى سنغافورة للعمل معاً لمواجهة بعض التحديات الرئيسية التى تواجه المدن فى جميع أنحاء العالم تحت عنوان «كيفية تعزيز النقل والسياحة والتجارة مع تمكين الخبرات السلسة والنمو المستدام».

وتضمنت المذكرة التعاون مع سنغافورة فى مجال السياحة، لتوفير تجربة معززة تتيح للمقيمين والزائرين التنقل فى مناطق الجذب السياحى فى المدينة بطريقة أسهل وأكثر اتصالاً، كما أن تطوير منظومة النقل يساعد على توفير تجربة سلسة للسنغافوريين، وتضمن أن يشعر الزوار بأنهم مقيمون حقيقيون فى المدينة، كما أنه تم الاهتمام بتعزيز التجارة، عبر رقمنة طرق قيام الشركات بشراء وبيع السلع والخدمات، ويشمل ذلك النقل البحرى فى سنغافورة.

مع أفول شمس اليوم الرابع، والأخير من الزيارة، كان علينا الإقرار بأن النهضة السنغافورية المتمثلة فى التطورات الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة والنمو الاقتصادى القوى، كانت نتاجاً طبيعياً للتطور التكنولوجى، خاصة فيما يتعلق بحلول الدفع الإلكترونى، وغيرها من الوسائل التى جعلت حياة الناس هناك أكثر سهولة، فى إطار من الوعى والثقافة لدى المواطنين بضرورة الشمول المالى والتطور التكنولوجى.


مواضيع متعلقة