خالد منتصر خالد منتصر رسالة فان جوخ الأخيرة
الأربعاء 25-07-2018 | PM 10:07

أقرأ فى تلك الأيام كتاباً من أجمل الكتب التى قرأتها فى حياتى، وهو كتاب «رسائل فان جوخ»، أدعوكم لقراءة هذه التحفة الفنية الفكرية ولى عودة إلى الكتاب تفصيلاً فى مقالات أخرى، لكن سأقدم لكم رسالته الأخيرة البديعة لشقيقه المخلص ثيو، الذى مات حزناً بعد ستة أشهر من وفاة شقيقه فنسنت، تلك الرسالة التى لو كانت قد وقعت فى يد عابر سبيل وقرأها كان سيعرف حتماً أن صاحبها سينتحر، سأقتبس منها ما تستطيع المساحة استيعابه:

عزيزى ثيو:

إلى أين تمضى الحياة بى؟ ما الذى يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة..

إننى أتعفن مللاً لولا ريشتى وألوانى هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد.. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن.. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطاً وألواناً جديدة، غير تلك التى يتعثر بصرنا بها كل يوم.

كل الألوان القديمة لها بريق حزين فى قلبى. هل هى كذلك فى الطبيعة أم أن عينى مريضتان؟ هأنذا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها.

فى قلب المأساة ثمة خطوط من البهجة، أريد لألوانى أن تظهرها، فى حقول «الغربان» وسنابل القمح بأعناقها الملوية. وحتى «حذاء الفلاح»، الذى يرشّح بؤساً ثمة فرح ما أريد أن أقبض عليه بواسطة اللون والحركة.. للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها فى الأشياء الجميلة وعين الفنان لا تخطئ ذلك.

اليوم رسمت صورتى الشخصية، ففى كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة أقول لنفسى:

أيها الوجه المكرر، يا وجه فنسنت القبيح، لماذا لا تتجدد؟

أبصق فى المرآة وأخرج..

واليوم قمت بتشكيل وجهى من جديد، لا كما أرادته الطبيعة، بل كما أريده أن يكون:

عينان ذئبيتان بلا قرار. وجه أخضر، ولحية كألسنة النار. كانت الأذن فى اللوحة ناشزة، لا حاجة بى إليها. أمسكت الريشة، أقصد موس الحلاقة وأزلتها.. يظهر أن الأمر اختلط على، بين رأسى خارج اللوحة وداخلها... حسناً، ماذا سأفعل بتلك الكتلة اللحمية؟

أرسلتها إلى المرأة التى لم تعرف قيمتى وظننت أنى أحبها.. لا بأس فلتجتمع الزوائد مع بعضها.. إليك أذنى أيتها المرأة الثرثارة، تحدثى إليها... الآن أستطيع أن أسمع وأرى بأصابعى. بل إن إصبعى السادس «الريشة» لتستطيع أكثر من ذلك: إنها ترقص وتشب وتداعب بشرة اللوحة..

أجلس متأملاً:

لقد شاخ العالم، وكثرت تجاعيده، وبدأ وجه اللوحة يسترخى أكثر.. آه يا إلهى، ماذا باستطاعتى أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟ الفرشاة، الألوان، وبسرعة أتداركه: ضربات مستقيمة وقصيرة. حادة ورشيقة.. ألوانى واضحة وبدائية. أصفر، أزرق، أحمر.. أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها، كما لو أن العالم قد خرج تواً من بيضته الكونية الأولى.

أمس رسمت زهوراً بلون الطين بعدما زرعت نفسى فى التراب، وكانت السنابل خضراء وصفراء، تنمو على مساحة رأسى وغربان الذاكرة تطير بلا هواء. سنابل قمح وغربان. غربان وقمح.. الغربان تنقر فى دماغى. غاق... غاق.. كل شىء حلم. هباء أحلام، وريشة التراب تخدعنا فى كل حين.. قريباً سأعيد أمانة التراب، وأطلق العصفور من صدرى نحو بلاد الشمس.. آه أيتها السنونو سأفتح لك القفص بهذا المسدس:

القرمزى يسيل. دم أم النار؟

غليونى يشتعل:

الأسود والأبيض يلونان الحياة بالرمادى. للرمادى احتمالات لا تنتهى: رمادى أحمر، رمادى أزرق، رمادى أخضر. التبغ يحترق والحياة تنسرب. للرماد طعم مر بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تماماً: كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقاً بها... لأجل ذلك أغادرها فى أوج اشتعالى.. لكن لماذا؟! إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهى البؤس أبداً..

وداعاً يا ثيو.. «سأغادر نحو الربيع».

تعليقات الفيس بوك

عاجل