ما هى الدلالات التى يمكن استنباطها من الربط بين توجهات فى السياسة الخارجية المصرية كامتداد للسياسة الداخلية منذ ثورة يوليو 1952، وبين أعمال عنف وإرهاب تشهدها البلاد.. حتى عندما تحاول تلك السياسة -وهى فى حالة تبعية لأمريكا والعلاقات بين الطرفين توصف بأنها علاقات استراتيجية- أن تبحث عن بعض مصالح فى مكان آخر؟ اتخذت الولايات المتحدة منذ 1952 مواقف مناوئة للمشروع الوطنى -على خلفية تجربة محمد على ثم تجربة عبدالناصر- مستخدمة فى ذلك كل الأدوات بما فيها إسرائيل اليهودية وما يسمى «تيارات الإسلام السياسى» وعلى رأسها «جماعة الإخوان» لتعيش مصر باستمرار إما تحت وطأة عدوان خارجى أو أجواء عنف وإرهاب داخلى يفرض على صانع القرار أن يتجه شطر البيت الأبيض، حتى يكاد يكون الارتباط بين هذه الأجواء وتلك المواقف ارتباطاً شرطياً. مع حلول شهر مارس 1954 ورفض مجلس قيادة الثورة شروط جماعة الإخوان والأمريكان بدأ الصدام، وشهدت مصر أعمال عنف وإرهاب ومحاولات اغتيال نفذتها جماعة الإخوان وجماعة من اليهود المصريين (فضيحة لافون)، واتجهت مصر شرقاً صوب روسيا (صفقة الأسلحة التشيكية).. وانتهى الأمر بسحب تمويل بناء السد العالى وتأميم قناة السويس ثم العدوان الثلاثى الذى هللت له الجماعة استعداداً للاحتفال بسقوط المشروع «الوطنى» الذى يمثله عبدالناصر.
ومع عمليات الفرار لقيادات الجماعة والعصابات اليهودية وفرت المخابرات الأمريكية بالتعاون مع المخابرات البريطانية ملاجئ آمنة لهم فى دول أوروبية ودول الخليج وموّلت إنشاء «إذاعة مصر الحرة» فى قبرص (نفس دور قناة الجزيرة الآن) كما جندت إذاعة الـ«بى بى سى» لشن حملات إعلامية ضد مصر الثورة وعبدالناصر مستخدمة نفس المفردات التى يعاد إنتاجها الآن؛ حكم العسكر- نظام ديكتاتورى- مصادرة الحريات- انتهاك حقوق الإنسان. وفى عام 1965 ومع نجاح أول خطة خمسية للتنمية فى تحقيق المعدلات المستهدفة كفّر التيار القطبى داخل الجماعة مصر والمصريين، وضبطت قوات الأمن شحنات من الأسلحة كانت معدة لتنفيذ عمليات إرهابية، ومع انطلاق مدافع العدوان فى 1967 سكتت مدافع العنف والإرهاب لتنشط من جديد فى قلب القاهرة بإشعال الفتنة الطائفية مع استكمال بناء حائط الصواريخ والاستعداد لخوض حرب أكتوبر.. ولتنشط من جديد بعد الانتصار حتى اغتيال السادات 1981. بعد خطف السفينة «أكيلى لاورو» ورفض مصر تسليم الفلسطينيين الأربعة 1985 جاء خطف الولايات المتحدة للطائرة المصرية واستؤنفت عمليات الإرهاب بتفجير قنبلة بشارع قصر النيل، وفى أكتوبر 1990 تم اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب الذى عارض ضرب العراق بدعوى تحرير الكويت بعد أيام من إعلان الرئيس الأسبق مبارك أن «مصر غير مخترقة وأمنها مقدس» ومطالبة مصر فى الأمم المتحدة بحماية دولية للفلسطينيين إثر مذبحة المسجد الأقصى، قبل أن تشهد مصر خلال عامى 1992 و1993 ثلاث محاولات اغتيال استهدفت كلاً من رئيس الحكومة ووزيرى الإعلام والداخلية فى وقت رفضت فيه مصر إقناع الفلسطينيين بحلول وسط، وأعلنت أنها «وسيط غير محايد ومنحاز لحقوق الشعب الفلسطينى». اليوم نقرأ أيضاً أن «مذبحة السياح اليونانيين الـ18» أمام فندق أوروبا بشارع الهرم فى أبريل 1996 جاءت وقت توترت العلاقات بين مصر وتركيا إثر توقيع الأخيرة مع إسرائيل اتفاق تعاون عسكرى يتضمن أنشطة بحرية فى البحر المتوسط. ونقرأ أيضاً فى ملف تدمير السياحة كـ«سياسة عقابية» أنه بعد إعلان مصر رفضها توجيه واشنطن ضربة للعراق، وكذلك رفضها المشاركة فى المؤتمر الرابع للتعاون الاقتصادى بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالعاصمة القطرية الدوحة بسبب سياسات حكومة نتنياهو المدمرة لعملية السلام اعتدى شخصان على سياح ألمان أمام المتحف المصرى فى أكتوبر 1997 وبعد شهر وقعت مذبحة «الأقصر» التى سبقتها اتهامات أمريكية لمصر بالحصول على صواريخ «سكاد» من كوريا الشمالية.. أما بيان رئاسة الجمهورية عن المذبحة وقتها فقد أشار إلى أن «مرتكبى الحادث متطرفون ويتعاملون مع قوى أجنبية». ملف الارتباط بين توجهات السياسة الخارجية وأعمال الإرهاب حافل.. وحدّث ولا حرج مع اندلاع ثورة 25 يناير.. ولا سيما بعد ثورة 30 يونيو التى تحاول تصحيح المسار خصوصاً مسار تحرير الإرادة من عبء التبعية بالتوجه شرقاً نحو روسيا والصين، فجماعة الإخوان التى سرقت ثورة 25 يناير «بدعم ثورى» للأسف! وانتظمت كـ«مارينز جدد» فى السياسة الأمريكية فى مصر وفى المنطقة وصادق مندوبها الرئاسى محمد مرسى الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز تلعب الآن نفس الأدوار القذرة لإجهاض مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة بنشر الرعب وبارتكاب أعمال العنف والإرهاب كوكيل للمخابرات الأمريكية بتمويل قطرى وذلك كرسالة لكل من يفكر فى التحرر من التبعية.
ومن ثم ليس غريباً أن لا تدين الإدارة الأمريكية أعمال الإرهاب الإخوانية، بل تصدر تصريحات تعتبر فيها تلك الأعمال من باب حريات التعبير ما يعد دعماً وتشجيعاً للإرهاب المسلح، بل تزيد عليها بوقف إمداد الجيش المصرى بقطع الغيار فى وقت يخوض فيها حرباً فى سيناء ضد الإرهاب الذى يدمر الأمن والسياحة أحد المصادر الرئيسية للدخل القومى. لقد نجحت هذه السياسة مع نظام مبارك فى سنواته الأخيرة، حيث انتهى الأمر -مع الحاجة للدعم الأمريكى لمشروع التوريث- بالوقوف ضد المقاومة وسوريا وبتصدير الغاز لإسرائيل بأسعار تفضيلية! وبتوقيع اتفاق الكويز.
ومن أسف أن بعض القوى والنخب والتيارات السياسية والتشكيلات الرئاسية والحكومية الآن تضم عناصر من مجموعات المصالح التى نشأت خلال عهد مبارك والإخوان أسرى هذه المصالح ورجع صدى للسياسة الأمريكية تحت مظلة الديمقراطية والمصالحة. لكن هناك فى مكان ما فى مصر من سينتصرون لأهداف ثورتى 25 يناير و30 يونيو.. وليس ترميم وإعادة بناء الجسور مع روسيا سوى مؤشر وبداية.