ورحل الغزالى الثانى الشيخ مصطفى عمران

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

فقدت مصر والأزهر والعالم الإسلامى مطلع هذا الأسبوع العلامة المتكلم والأديب المنظر الأستاذ الشيخ مصطفى عمران.. الغزالى الثانى، أستاذ الجيل. وقد كان له -رحمه الله- دروس فى الجامع الأزهر المعمور، شرح فيها ضمن ما شرح «حاشية العطار» على الخبيصى، و«الاقتصاد فى الاعتقاد»، وله دروس لطلبة العلم فى «مقولات» العلامة محمد حسنين مخلوف، وفى «المقدمات الكلامية» لتفسير الفخر الرازى. زرت الفقيد مرة فى منزله فرأيت من الربانية فى العلم، والمحمدية فى الخلق، وأقتبس هنا من وحى قلم تلامذته، من أنه كان يجمع إلى جانب معرفته التامة بعلم الكلام والمنطق والفلسفة، علوم الأدب واللغة والمعاجم، وكان آية فى ضبط الكلمات من كثرة نظره فى معاجم اللغة، وله كل يوم من القرآن خمسة أجزاء لا يستريح إلا إذا أنهاها. وكان من خصاله أنه لا يجيب سؤالاً لطالب إلا إذا كان سؤالاً على سنن أهل العلم، فإن كان السؤال تخليطاً من الطالب وضع يده على أذنه كأنه يستمع بصعوبة. ونازع الشيخ تلامذته فترة فى عدم النزول للتدريس بالأزهر، لعدم وجود طلبة يُخْلِصون للعلم، حتى كانت ذات مرة، وإذ بالشيخ يذكر أنه قنع بما يطلوبنه منه، وأنه سينزل للإقراء فى الجامع الأزهر الشريف، فلما سألوه عن السبب ذكر أن رفيقه فى الكويت العلامة الشيخ فوزى فيض الله كان يقول له: «يا شيخ مصطفى لقد بقى لى من أمنيات عمرى أمنية واحدة، وهى أن أنزل الأزهر الشريف، فأعقد فيه مجلساً للتعليم والتدريس»، فلما تذكر هذه العبارة قال: «أيتشوفُ علماء الآفاق للجلوس فى الإقراء بالأزهر، وأنا أُدعى إليه فأمتنع؟»، فنزل الأزهر، فعَمُرَ مجلسُه فى «رواق الأتراك»، وصار يقرئ «حاشية العطار» على الخبيصى، ثم بعد سنوات لقى عالمٌ من تلاميذ فقيدنا المرحوم العلامةَ فوزى فيض الله مصطافاً فى حلب، وقال له: «يا أستاذنا، لقد أسديت إلينا نحن طلاب العلم فى الأزهر منةً ومعروفاً، وهو أن شيخنا مصطفى عمران قَبِلَ النزول للإقراء فى الأزهر ببركة كلمة سمعها منك»، وذكر له الخبر، فتعجب، وقال له: أبلغ سلامى للشيخ مصطفى، وقل له: «إننى أدعو فى وقت السحر لأفراد، وأنه منهم»، فأبلغ الشيخ مصطفى فسرّ. أقول: وربّ درس من دروسه فاق ما أنتجته طوائف فى تاريخها فى عصرنا المتشدد، فالرجل غير معروف لأكثر طلبة العلم، وكان يقول: «الأجيال الجديدة لا تبتغى سوى نيل الشهادة، وليس لها فى العلم من أرب»، لكن ما عرف -رحمه الله- أنهم لو اكتفوا بالشهادة لأراحوا واستراحوا، لكنهم ادّعوا العلم، ونهلوا من أحداث متشيخين تافهين، فاحتفوا بالنكرات، واستسمنوا ذا ورم، أكثر بضاعتهم تحريم الحلال، وسبّ وتبديع وتكفير المخالف، يأخذون دينهم وعلمهم ممن لا يعرف جنسية والدته، أو من عاشق للفتنة وفقه المراحيض، أو من مقاول تشيخ، وفق منظومة اختلال معايير القيم، وموازين التقييم، فأتوا بفتاوى نشاز، ورؤى عليلة، وشقيت بهم المنابر والمساجد والمناصب. وأخيراً فهذه كلامات من شيخ مشايخ علماء الأزهر وأستاذ الأستاذين الشيخ المعمر معوض عوض إبراهيم من نعيه للفقيد: «استأثرت رحمة الله بأحد أعمدة الأزهر الشريف جامعا وجامعة، إنه فقيد الإسلام العلامة المتكلم فضيلة الشيخ الدكتور مصطفى عمران (الغزالى الثانى) الأشعرى بحق، دالاً على الأزهر ومنهجه، منطلقاً إلى الحقيقة الكبرى، حقيقة أن الله مسير الأكوان، رحم الله الإمام الجليل، وأمطره برضوانه وغفرانه فى أكرم جوار وأعز دار، (يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية)».. ألا رحم الله من مضى، وحفظ من بقى.