بالصور| رحلة العيدية.. من خاروبة فاطمية وجامكية مملوكية إلى فلوس جديدة

كتب: أحمد البهنساوى وشيماء مبارك

بالصور| رحلة العيدية.. من خاروبة فاطمية وجامكية مملوكية إلى فلوس جديدة

بالصور| رحلة العيدية.. من خاروبة فاطمية وجامكية مملوكية إلى فلوس جديدة

تختلف مظاهر الاحتفال بالعيد من مجتمع لآخر لكن "العيدية" تظل هي الموروث الثقافي والاجتماعي الذي يربط بينها جميعا حتى أصبحت أهم طقس في مناسبتين إسلاميتين "عيد الفطر وعيد الأضحي المبارك".

وتطورت "العيدية" من ذهب وفضة مرورا بالملابس والهدايا إلى أن أصبحت نقودا، حتى وإن قدمت في أطباق الحلوى والشوكولاتة أو في مظاريف مزخرفة.

وقال خبراء علم الاجتماع، لـ"الوطن" إن كلمة "عيدية" تشتق من العيد، وتعني "العطاء" أو "العطف"، وهي لفظ اصطلاحي أطلقه الناس على النقود والهدايا التي كانت توزعها الدولة في عيدي الفطر والأضحى كتوسعة على أرباب الوظائف، واختلفت أسماء هذه العطايا على مدار العصور.

{long_qoute_1}

يقول محمد أحمد عبد الرازق عميد كلية الآداب بجامعة المنصورة سابقا وأستاذ التراث الشعبي، إنه على الرغم من ابتكار صك العملات في بداية القرن الماضي، إلا أن "العيدية" استطاعت أن تجد لها مكانة مميزة وفريدة خلال هذه الفترة، لتمثل أهم مظهر من مظاهر الاحتفالات لدى المسلمين في أعيادهم.

وأضاف أن أوراق النقود الجديدة اللامعة يكون لها دور يكون لها النصيب الأكبر لتحقيق نوع من البهجة الطيبة عند الجميع وخصوصًا الأطفال، وعلى الرغم من أنه في النهاية ستصرف جميع النقود الجديد منها قبل القديم، فإن ذلك بات محفورا في أذهان الجميع مع بوادر انطلاق روائح هذه المواسم.

"العيدية أمر يتفرد به المسلمون في أعيادهم عن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى"، هكذا أوضح أستاذ التراث الشعبي، مشيرًا إلى أن معايشة مصر للعصر الفاطمي أحد أهم الأسباب وراء دخول العديد من مظاهر الاحتفال المختلفة على الدين الإسلامي كعروس وحصان من الحلوى تزامنًا مع ذكرى المولد النبوي الشريف، مرورًا بالفانوس والحلويات الشرقية في شهر رمضان، فضلًا عن احتفالية طلعة "المحمل" كساء الكعبة وسط أجواء من الطبول والأناشيد، وأخيرا ما كانت توزعه الدولة من نقود في موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى إفراجا على أرباب الوظائف ومن هذا الطقس ظهر لفظ "عيدية" بين جموع المسلمين كأحد الطقوس الأساسية في أعيادهم.

وتشير روايات تاريخية إلى أن العيدية ظهرت في مصر في العصر الفاطمي، وسميت بعدة أسمها منها "الرسوم" و"التوسعة"، وكان الفاطميون يحرصون على توزيع النقود والثياب على المواطنين خلال فترة الأعياد، واعتبرها البعض مدلولا سياسيا لأن المعز لدين الله الفاطمي عندما حكم مصر، كان يعطيها لكبار رجال الدولة وفقهاء الدين وعامة الشعب، كما أنهم أول من قاموا بعمل "عملة تذكارية" واسموها "الخاروبة" توزع في العيد ووزنها 194 من ألف جرام ذهب، وكان يوزعها المعز لدين الله الفاطمي، ثم عهد العزيز بالله الفاطمي حيث كان يقول لعامة الشعب عند توزيع العيدية "إني والله أحب أن أرى أثر النعمة على عبادي".

وظلت تلك العادة موجودة خلال العصر المملوكي أيضا، لكنها كانت تعرف باسم مختلف، حيث كان يطلق عليها "الجامكية"، وهي تعني "المال المخصص لشراء الملابس"، وبعد ذلك تم تحريفها لتصبح "العيدية".

{long_qoute_2}

"النقود الجديدة تتماشى مع جمال المناسبة واللبس الجديد"، حسبما قال الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، موضحا أن العيد مظهر من المظاهر الإسلامية الطيبة، الذي خلق عند رجال الأعمال وأصحاب الشركات والأهالي نوع من اعتياد تبادل الأوراق النقدية الجديدة من خلال أجواء مميزة من الحب والود والترابط، موضحا أن الكثير من المسلمين يؤمنون بضرورة استكمال جمال كل شيء في مثل هذه الأيام، لذلك فهم يعتبرون أن الأوراق النقدية المتهالكة وربما المتسخة بعض الشيء نتيجة تبادلها المستمر بين المواطنين، لا تتناسب مع بهجة الأعياد وفرحتها، حريصين على توافر الأوراق النقدية اللامعة برائحتها المميزة وتوزيعها على الأقارب والفقراء.

ويرى صادق، أنه في الفترة الأخيرة لم يكتف البعض بتبادل العيديات فحسب، بل ابتكروا لها طرق مميزة للتقديم، كوضعها مع كارت صغير وسط قطع من الشوكولاتة أو الحلوى، أو من من خلال قص الكرتون على شكل بلوزة أو فستان وتثبيت العيدية بها، أو تثبيتها في نهاية الشرائط الملونة ذات الأشكال المختلفة، ومن الممكن أن تكون عبر كروت الزينة متوسطة الحجم، وتزيينها بالبرونز الملون ووضع "العيدية" داخلها لتعليقها في المنزل لتكون قطعة ديكور ذات معنى ورمز مميز.

وتشير بعض الكتابات التراثية إلى أن قيمة "العيدية" كانت تختلف بحسب المكانة الاجتماعية، فالبعض كانت تقدم لهم العيدية على هيئة دنانير ذهبية، فيما كان البعض الآخر يحصلون على دراهم من الفضة، أما الأمراء وكبار رجال الدولة فكانت تقدم لهم العيدية على هيئة طبق مملوء بالدنانير الذهبية بالإضافة إلى الحلوى والمأكولات الفاخرة، كهدية من الحاكم، أما خلال العصر العثماني، فقد اختلفت طريقة تقديم العيدية بشكل كبير، إذ إنه بدلاً من أن يتم تقديمها للأمراء على هيئة دنانير ذهبية، أصبحت تقدم في صورة هدايا ونقود للأطفال.

{long_qoute_3}

وتعتبر الدكتورة فادية مغيث أستاذ علم الاجتماع، أن العيد يتفرد عن غيره من المناسبات بأن الجميع يتنافس في إدخال السرور على كل من حوله، بخلاف الأفراح على سبيل المثال فالكل يتسابق في إظهار جمال شكله وملبسه هو فقط، كما أوضحت أن العيد طقس احتفالي "ربما كان له أشكال احتفالية أخرى في الماضي السحيق كالتعبير عن مشاعر الحب أو تصالح المتخاصمين لكن الآن تحولت العيدية إلى شيء مادي وجزء أصيل من الطقس ذاته".

وتقص مغيث ذكرياتها الشخصية مع العديدية قائلة "كان والدي يعطي العيدية لأولاد عمي وهكذا عمي يفعل معنا، وكان أبي لديه فلسفة عاطفية في موضوع العيدية بأنها طقس تبادلي لإدخال الفرحة والسرور على من حوله، وبالتالي فإن العيد عبارة عن تبادل للفرح وأن الدين لا يقتصر فقط على الصوم والصلاة ولكنه أيضا مصدر للسعادة".

كما تعد العيدية تعويضا لأي تقصير من قبل الشخص تجاه أقاربه بسبب انشغاله وازدحام الحياة في عصرنا الحالي، حسبما ترى أستاذة علم الاجتماع، التي تؤكد ضرورة أن تظل العيدية رمزية خاصة في ظل الظروف الحالية ومن الممكن أيضا أن تكون متفاوتة بحسب احتياج كل طفل "وهذا امر شرعي وإنساني وبه نوع من التعايش مع الضغوط الاقتصادية التي تزيد بشكل عنيف على الأسرة".. بحسب تعبيرها.


مواضيع متعلقة