حسن أبوطالب حسن أبوطالب لبنان الفريد بلا حكومة
الثلاثاء 28-08-2018 | PM 09:58

عوّدنا لبنان أن يكون بلداً عجيباً فريداً فى جموده وفى استقراره، وفى نشاطه وفى ديناميكيته، وفى أعرافه السياسية والدينية والمذهبية. لبنان الآن غارق فى رحلة البحث عن حكومة مُكلف بتشكيلها سعد الحريرى الذى يرأس حكومة تصريف الأعمال. وبعد ثلاثة أشهر من التكليف بات الأمر مفتوحاً لا سقف زمنياً له، فى حين أن سحب هذا التكليف ليس فى مقدور أحد. والنتيجة أن الوصول إلى محطة النهاية مرتبط، أولاً وأخيراً، بقدرة اللبنانيين على الصبر إلى حين ميلاد حكومة جديدة تُنهى الجمود السياسى الراهن، ومرتبط أيضاً بقدرة الحريرى نفسه على مواصلة الحوار مع الفرقاء اللبنانيين بدون استثناء وصولاً إلى نقاط توافق تبنى عليها الحكومة المنتظرة، ومرتبط ثالثاً بإعادة بعض القوى والتكتلات السياسية لحساباتها ولمطالبها وإبداء المرونة المناسبة التى تيسر تحقيق الهدف المنشود، أى حكومة توافق وطنى تسود فيها روح المسئولية الوطنية، بعيداً عن المذهبية والطائفية والمكاسب الجزئية السريعة.

يُذكر هنا أن الحريرى، وتيار المستقبل بوجه عام، يصر على أن تكون الحكومة المقبلة حكومة وطنية يتوافق الجميع على بيانها العام، وبما يسمح للبنان بأن يواجه الكم الهائل من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التى تنهش فى عظامه منذ زمن وتتطلب جهداً جماعياً بدون مزايدة من أحد وبدون مناكفة من أحد. مثل هذا الهدف العام يبدو عصياً على التحقيق، ليس لأسباب خارجية كما كان الحال فى مناسبات سابقة أحاطت بتشكيل الحكومات اللبنانية، سواء فى زمن الوجود العسكرى السورى أو فى الزمن التالى لهذا الوجود فيما بعد فبراير 2005 وإلى الآن، وكانت تستدعى دائماً تدخلات خارجية ووساطات وضغوطاً لعبت دوراً فى تسهيل تشكيل الحكومات، ولكنها فشلت فى جعل تلك الحكومات فاعلة وقادرة على العمل بسلاسة.

الأبعاد الخارجية لا يمكن إلغاء تأثيراتها بالكلية على الوضع اللبنانى ككل، ولكنها تبدو فى الحالة الراهنة أقل تأثيراً، مقارنة بالخلافات والمشكلات والعقبات التى ترتبط بطموحات ومطالب الفرقاء اللبنانيين أنفسهم. وفى هذا السياق تبرز الانقسامات المسيحية كواحدة من أهم عقبات تشكيل الحكومة المنتظرة، لا سيما بين «التيار الوطنى الحر» الذى أسسه الرئيس عون، ويرأسه ابن أخيه جبران باسيل الذى يشغل منصب وزير الخارجية، وبين القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، وتدور الخلافات حول حصة كل منهما فى الحكومة من حيث عدد الوزراء ونوعية الوزارات. والطرفان سبق لهما، نهاية العام 2015، الاتفاق سرياً على تسهيل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للبلاد، فيما يُعرف بتفاهم معراب، على أن يتقاسم الطرفان حصة المسيحيين الوزارية، أى نصف مقاعد الحكومة لكل منهما، مع مراعاة الحصة المقررة للرئيس والمحددة بثلاثة وزراء. وهو التفاهم الذى بقى سرياً حتى تسربت بعض بنوده قبل ثلاثة أشهر، وبما عكس رغبة الطرفين فى احتكار الحصة الوزارية المسيحية بعيداً عن أحزاب وقوى أخرى مثل «الكتائب» و«تيار المردة». ويعكس تفاهم معراب رغبة الطرفين فى إقصاء المسيحيين الآخرين، وهو ضد الأعراف والتفاهمات التى يقوم عليها اتفاق الطائف، ومن هنا تجسد الانقسام المسيحى على نحو يعوق كل محاولات التوفيق التى يمكن أن تسهل تشكيل الحكومة. وبناء عليه، ووفقاً لنتائج الانتخابات التى حقق فيها كل من التيار الوطنى والقوات نتائج كبيرة مقارنة بالفرقاء المسيحيين الآخرين، تبلورت طموحات القوات فى الحصول على 5 حقائب وزارية تشتمل على حقيبة سيادية أو منصب نائب رئيس الحكومة. أما التيار الحر فيطالب بحصة وزارية من 8 وزارات، إضافة إلى ثلاثة مناصب للرئيس، وبالتالى يضمن ما يُعرف بالثلث المعطل لعمل الحكومة، وهو ما يتناقض مع رؤية الرئيس الحريرى جملة وتفصيلاً. كما يطالب التيار الوطنى بأن يتم توزير القيادى الدرزى طلال أرسلان خصماً من الحصة المقررة عُرفاً للدروز، والتى تخصص للحزب الاشتراكى التقدمى برئاسة وليد جنبلاط، الذى يتمسك، بناء على نتائج الانتخابات، بأن يسمى الوزراء الدروز الثلاثة بدون قيد أو شرط.

وفى محاولة لإنهاء هذه العقدة، طرح الحريرى فكرة تقليص عدد الوزراء إلى 24 وزيراً بدلاً من ثلاثين، وبحيث يتم خصم نسب محدودة من كل فريق مسلم أو مسيحى، غير أن الفكرة لم تجد التجاوب المناسب، وبذلك استمر الوضع مأزوماً، ومرشحاً للاستمرار إلى أن تبدى كل الأطراف قدراً من المرونة أو التنازلات المحسوبة، الأمر الذى يبدو عسيراً فى ضوء تمسك كل فريق بمطالبه باعتبارها حقاً مشروعاً.

ارتباطاً بعقدة الأحجام والأوزان الحكومية التى يطالب بها كل طرف، يبرز الخلاف حول ما يُعرف بسياسة «النأى بالنفس» التى تمسكت بها حكومة لبنان رسمياً، واعتُبرت نظرياً سياسة تبعد البلاد رسمياً عن التورط فى الحرب السورية. ومن الناحية العملية لم تلتزم كل القوى اللبنانية بتلك السياسة، والأبرز هنا «حزب الله» الذى شارك فى القتال إلى جانب القوات السورية الحكومية فى مواجهة التنظيمات المسلحة والإرهابية، ويعتبر أن جهوده وتضحياته أسهمت فى نجاة لبنان من الوقوع فى مستنقع الإرهاب الداعشى والتطرف الدينى، ويعتبر نفسه شريكاً فى الانتصار الحاصل فى سوريا. ورغم قيامه بالدور الرئيسى فى تلك المواجهة فإن «التيار الوطنى الحر» كان بمثابة داعم سياسى لتلك المشاركة العسكرية. ويطرح الطرفان فكرة التطبيع مع الحكومة السورية، وبما يحقق لبنان عدة مصالح مهمة، من بينها تسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا، وتنشيط حركة تصدير المنتجات اللبنانية إلى الأردن والخليج عبر معبر نصيب الحدودى بين سوريا والأردن، وهى فكرة تجد معارضة كبرى من قبَل تيار المستقبل والحزب الاشتراكى التقدمى والقوات اللبنانية، باعتبار أن الوضع فى سوريا لم يصل بعد إلى محطة التسوية السياسية الشاملة التى تسمح بتطبيع العلاقات السورية اللبنانية. وعملياً يراعى هذا الموقف الضغوط الأمريكية التى تطالب بالحد من نفوذ «حزب الله» سياسياً وعسكرياً على المؤسسات اللبنانية الرسمية، ومراعاة الدور الأمريكى فى الأزمة السورية. الأمر الذى يثير تساؤلاً عن رؤية الحكومة اللبنانية المقبلة حال تشكلها حيال ما يُعرف بالاستراتيجية الدفاعية للدولة اللبنانية وموقف القوات التابعة لحزب الله من سيطرة الدولة والجيش اللبنانى على تحركاتها. وتلك المعضلة ليست جديدة فى حد ذاتها، فقد طُرحت من قبل، ولم يصل فيها اللبنانيون إلى صيغة حاسمة، وظل المبدأ العام والمرن الذى يجمع بين الجيش والشعب والمقاومة فى مواجهة التحديات هو المعمول به، ويبدو أنه سيظل كذلك إلى زمن طويل آخر.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل