طارق سعد طارق سعد لغز أكرم حسنى!
الخميس 30-08-2018 | PM 05:56

المكان: سيارة شرطة "بوكس" لتأمين مطار القاهرة.

الزمان: عام 2003

الحدث: ضابط شرطة - عمليات خاصة أمن مركزى - يجلس بداخل الـ "بوكس" مشغلاً الراديو فتلتقط أذنيه إعلاناً لمحطة إذاعية جديدة "نجوم إف إم" تطلب مذيعين ومذيعات فى مسابقة لاختيار كوادرها.

تأرجحت الأفكار فى رأس النقيب "أكرم حسنى" الذى يجتذبه مجال الفن منذ الصغر فلم لا ولتكن فرصة ليعود ويذكر نفسه أن المسابقات من هذا النوع شكلية والفائز محدد مسبقاً ولكن أحلامه لم توقفها تلك الفرضية ليقرر خوض التجربة باعتباره لن يخسر شيئاً فمجرد مكالمة تليفونية يسجل فيها كلمات معبرة عن حلمه لثوانٍ معدودة غير مكلفة فقد تحقق له حلمه وإن لم يحدث.. فيكفيه السعى نحو هذا الحلم والبحث عن فرص أخرى.

لم يتخيل الضابط "أكرم حسنى" القابع فى خدمة تأمين مطار القاهرة أن من بين 30 ألف متقدم تمت تصفيتهم لـ 5000 ثم توالت التصفيات أنه سيعبرها كلها حتى وصل للمرحلة النهائية ليقف أمام زميله "كريم الحميدى" فيفوز "كريم" باللقب ويعود "أكرم" إلى الأمن المركزى بعدما تأكد من استحالة استقالته من الشرطة لعدم تجاوزه المدة القانونية للعمل "10 سنوات" قضى منها "8" فقط فيكمل عمله الأمنى وبداخله غصة لضياع حلمه الرئيسى بعدما حقق حلم والده بدخول كلية الشرطة ... فمن سيحقق له هو حلمه؟!

"أكرم حسنى" الذى قرر بعد تخرجه من كلية الشرطة دراسة الإعلام وحصل على دبلومة به لم يستسلم لإحباطه وبعد مرور عام على انتهاء المسابقة يعود فى النسخة الجديدة من بوابة لقاء مع المشتركين السابقين فى النسخة الأولى ليلفت نظر الإعلامى "عمرو أديب" رئيس لجنة التحكيم وأحد المؤسسين للمحطة بعدما أكد له "أكرم" تركه للشرطة على غير الحقيقة فى محاولة منه لجس نبض "أديب" باحثاً عن فرصة جديدة ويعده "أديب" بها بعد انتهاء المسابقة القائمة وهو ما حدث بالفعل ليرشحه للعمل فى المحطة ويبدأ الضابط "أكرم حسنى" تثبيت أقدامه فى الإعلام خلال إجازته من الشرطة حتى ضمن الاستقرار فتقدم باستقالته بعد سنتين من الشرطة لينطلق فى تحقيق أحلامه ويكتفى والده بأخيه الأكبر كضابط شرطة.

الحقيقة أن "أكرم" انطلق بقوة وحقق نجاحاً كبيراً مع زملائه فى المحطة الإذاعية فـ "أكرم" يمتلك فى صوته "حس" يصل للقب مباشرة يحمل معه براءة ونقاء نفس ودماثة خلق أيضاً وكل هذا عبر إلى الجمهور الذى أحبه وتعلق به إذاعياً فيقرر "أكرم" خوض تجربة جديدة موازية بالظهور الأول على الشاشة من خلال شاشة قناة "مودرن تى فى" أول قناة شبابية والتى حققت نجاحاً مدوياً فور انطلاقها ولكن التجربة لم تحقق النجاح المطلوب لعدة أسباب أهمها كان سوء الإدارة وفشلها الذريع فى توظيف الكوادر الماهرة التى تمتلكها لتولى مسئوليتها أحد المشهود لهم بالفشل فكانت النتيجة انهيار القناة بعد 3 شهور حتى أغلقت وهى بالكاد تكمل عامها الأول ولم يستفد "أكرم" من تجربته التليفزيونية الأولى التى ضاعت ولم يحقق فيها ما حققه فى الإذاعة سوى تعرف الجمهور على صورته.

لم يستسلم "أكرم" وعاد للشاشة بشكل مختلف تماماً بشخصية ساخرة كوميدية فى انطلاقها "سيد أبو حفيظة" على شاشة "موجة كوميدى" وحقق بها نجاحاً منقطع النظير وأصبح "سيد أبو حفيظة" ملازماً لـ "أكرم حسنى" ليتحول به إلى "أكرم أبو حفيظة" .. التصق به تماماً وأصبح يقدمه ويطوره موسماً وراء الآخر فاختراعه للشخصية أملكه أدواتها وفجر مواهبه فكون ورشة كتابة كاملة وكتب معها الحلقات ليكشف لنا وجهاً آخر ومع الوقت ومع زيادة النجاح سيطر "أبو حفيظة" على "أكرم" وسجنه بداخله وبدأ يخفت نجم "أبو حفيظة" وأمامه العكس بزيادة تمسك "أكرم" به وتقديمه فى ثوب جديد أصاب مشاهده بالملل .. ماذا يفعل "أكرم" وماذا يريد؟! فحاول الخروج من سجنه الذى بناه بيديه فأتى بشخصية أخرى أسماها "وسيم هدد" أصابته فى مقتل وكادت تنهيه تماماً ليهرب ويعود لـ "أبو حفيظة" مرة أخرى ويقدم "أسعد الله مساءكم" ومعها مجموعة إعلانات فى محاولة الجميع "حلب" الشخصية حتى آخر قطرة!

ابتعد "أكرم" عن الإعلام رغم أنه يمتلك من الكاريزما والأداء ما كان يؤهله ليكون رقماً مهماً وصعباً فى المعادلة الإعلامية ولكنه لم يلتفت ولم يهتم وترك الملعب للمارقين وتمسك بـ "أبو حفيظة" حتى وصل الجمهور لمرحلة النفور ويظل يتمسك به حتى اتهمه الجمهور بالإفلاس وعدم قدرته على الخروج من هذا السجن وهو ما مثل لغزاً كبيراً لدى الجميع!

فجأة ولأن أكرم "ذكى" ولكنه يتمهل بزيادة حاول أن ينفض عباءة "أبو حفيظة" وبدأ يمثل  بشخصيته الحقيقة بعدما دعاه النقاد والجمهور مراراً وتكراراً لذلك فقدم مسلسل "ريح المدام" ولكنه لم يكن على المستوى المأمول رغم جهده الكبير فكان شبح "أبو حفيظة" مازال مسيطراً لتسأل هل "أبو حفيظة هو أكرم .. أم أكرم هو أبو حفيظة" بالإضافة لتحمله عبء الكوميديا منفرداً أمام صديقه "أحمد فهمى" الذى يعتمد على الاستظراف ليعبر المسلسل فقط بمجهود "أكرم حسنى" وخفة ظله التى أنقذت العمل وأثبتت للجميع صدق رؤيتهم أن "أكرم" عنده كنز لم يخرجه لنا حتى الآن ولأنه متصالح مع نفسه قيم التجربة بشكل سليم وصحح كل أخطائه دفعة واحدة ليخرج علينا بشخصية "إبراهيم النويرى -إبو" فى مسلسل "الوصية" كرهان خطير والذى يعتبر شهادة الميلاد الحقيقية لـ "أكرم حسنى" على مختلف الوجوه فكان ممثلاً ومؤلفاً وملحناً ومعيداً لبريق "أحمد أمين" ليقدم مفاجآت رائعة دفعت المشاهد لمتابعة العمل عشرات المرات دون ملل فرحاً بـ "أكرم" نفسه ومهللاً له وهو ما يحسب لعمل متكامل كتابته متميزة وإخراج أحد أهم الرهانات الإخراجية سينما ودراما "خالد الحلفاوى" الذى يغرد منفرداً وجعل "أكرم" أيضاً يغرد بنفس الانفراد.

ولأن النجاح يجب أن يتبعه نجاح فامتلك "أكرم" الجرأة وذهب للسينما بجوار نجم مميز وصاحب منطقة خاصة فيها "تامر حسنى" ليتقاسم معه بطولة فيلم "البدلة" ويحققا به أعلى الإيرادات "رقم1" فيقدم أداءً رائعاً ويحقق نجاحاً أكبر يضعه فى مكانه الصحيح على الخريطة الفنية والمناسب لمواهبه المتعددة بعدما تخلص تماماً من "عفريت أبو حفيظة" واحتفظ به للإعلانات لينافس بأغنيته لإحدى شركات المحمول الأغنيات المطروحة لنجوم الغناء ليصبح هذا العام هو عام "أكرم حسنى" وهو ما يستحقه وأكثر.

 ما وصل إليه "أكرم" من نجاح كبير كشف فيه عن مواهبه المتعددة المتفجرة يدفع الجميع للتساؤل عن "لغز أكرم حسنى" فى  تأخره على نفسه فى خطواته وعدم أخذ قراراته مبكراً والتى كانت من الممكن أن تختصر له مسافات طويلة وتضاعف من رصيد نجاحاته فهل يرجع ذلك لعدم الجرأة والمغامرة بالقفز لمناطق جديدة والاكتفاء بنجاح "أبو حفيظة" المضمون أم عدم اقتناعه بأنه يمتلك فعلاً مساحات مختلفة فى شخصيته والخوف من مواجهة الكاميرا بها فيفقد ما حققه؟!

لغز آخر يبحث عن إجابة وهو لماذا يستعين "أكرم حسنى" بـ "دوبلير" لصوته فى كل الأغنيات التى يقدمها درامياً فى ظاهرة فريدة مسجلة باسمه رغم أن غيره يقدمون أغنيات فى سياق درامى وأصواتهم لا تصلح وآخر يقدم أغنيات مصورة يقترب فيها من تأليه نفسه بصوت يتدحرج من على السلم الموسيقى خاصة أن "دوبلير" صوت "أكرم" الغنائى وهو "عماد كمال" يكاد لا تفرقه عن صوته مع بعض التعديلات من الأجهزة المتخصصة فلماذا لا يفعلها "أكرم"؟!

قد يبدو "أكرم حسنى" نفسه هو "لغز" يحتاج للفهم والتدبر وفك شفراته منه شخصياً قبل متابعيه  حتى يستطيع أن يفك قيوده وينطلق لمسافات أبعد بكثير هو فى الحقيقة يستحقها تماماً  فمازال "أكرم" يمتلك فى مستودع مهاراته الكثير والكثير لم يعلن إلا عن "برومو" صغير عنه فمن يحب "أكرم" حقيقى يجب أن يهمس فى أذنه أن الـ "تكتيفة" ستحرمه من بناء رصيد فنى متنوع فى ظل الحب الجماهيرى الجارف له فالحقيقة التى لا يراها "أكرم" أنه الوحيد المختلف وسط الجميع وأنه يستطيع ألا يحصر نفسه فى منطقة الكوميديا الصريحة فهو يمتلك أن يلعب بمهارة فى منطقة عبقرية "الفخرانى ومحمود عبد العزيز" كمشخصاتى يقدم شخصيات مختلفة مغلفة بخفة الظل "النظيفة" التى يفضلها والذى تأكد من مشاهده الدرامية الأخيرة فى "الوصية" وهو ما يحتاج لقرار سريع وآخر جرئ مماثل لقرار إحالة "أبو حفيظة" للمعاش.

مقاعد المبدعين قد زادت واحداً ... فأهلاً بـ "أكرم حسنى" متنوعاً.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل