مصطفى محمد مصطفى محمد ساكنة "بيت الأشباح" - الحلقة الأولى
06:51 م | الخميس 13 سبتمبر 2018

في إحدى مناطق المعادي عام 1980 وخصوصا في فصل الشتاء، لم يكن في الشارع سوى سيارة قديمة بعض الشيء تشق بركا من المياه والوحل خلَّفتها مياه الأمطار، وخلف عجلة القيادة تجلس فتاة في العشرينات من عمرها، بضعة أمتار وتقفت السيارة عند ذلك العقار المعروف في البلدة كلها بأنه "بيت الأشباح".

في البداية تعجبت من جرأة الفتاة، لذهابها بمفردها إلى هذا العقار دون تردد أو خوف، لكني مع مرور الوقت علمت أنها لا تعرف شيئًا عما يحدث فيه ليلًا، وعن تلك الأصوات التي يستيقظ سكان المبانى المجاروة عليها.

نزلت الفتاة من سيارتها وإذ بعم أحمد العجوز يقف أمامها يسألها، إلى أين تذهب لعلها ضلت طريقها، فأخبرته بأنها تدعى "ريهام"، وأنها ساكنة الشقة رقم 10 الموجود في الطابق الأخير، وقعت كلماتها كالصاعقة عليه، وعجز عن النطق قليلًا، لأنه أشفق عليها من المصير المجهول.

ونظر عم أحمد إلى ريهام محاولا أن يجعلها تغير رأيها عن اختيار هذا المكان وخصوصا شقة الطابق الأخير، لكنها لم تجد غيره مناسبا لها ولدخلها.. حمل عم أحمد أغراض ريهام وصعد أمامها، ليبدأ فصلًا جديدًا من الرعب والإثارة.

ترقب سكن الحي حدوث شيء غريب أو سماع خبر موت الوافدة الجديدة، أو الفتاة ترك المنزل ولن تعود مرة أخرى، لكن حدث عكس المتوقع، فعندما سكنت ريهام في هذه الشقة لم نسمع صوتًا غريبًا يخرج كعادة كل مساء.

وفي إحدى الليالي الهادئة، والقمر مكتملا يضيء نوره المنطقة بالكامل، استيقظ سكان الحي على صراخ شديد، كان مصدره "بيت الأشباح"، وخصوصا الطابق الأخير وإذ بريهام تقف في الشباك تصرخ بشدة وتطلب العون.

اتجهت إلى عم أحمد مسرعًا وطرقت بابه، وهو يفتح الباب متثائبا، وينظر لي باستغراب:

- أيمن!! مالك يابني فيه إيه بتنهج ليه كده؟ّ!

= مفيش وقت يا عم أحمد بسرعة الساكنة الجديدة بتصرخ؟

- الساكنة الجديدة مين؟ تقصد أستاذة ريهام؟

= اه هي.. بسرعة ليكون فيه حاجة حصلتلها

- سلامتك يا أيمن ريهام سافرت امبارح وهتغيب أسبوع

= سافرت؟! أمال صوت مين اللي سمعته ده؟ أنا حتى شفتها ناحية الشباك

اجتمع السكان حول عم أحمد، لمعرفة ما يحدث، وهنا تبدلت ملامحه، وقال في جدية "يا جماعة أنا مسمعتش أصوات وكنت نايم لحد ما أحمد صحاني.. أستاذة ريهام سافرت امبارح ومش هتيجي غير آخر الأسبوع.. ونصيحة مني ليكم ابعدوا عن الحاجة دي ومحدش يسمعلها.. أنا أبويا حكالي زمان إنها الكائنات دي بتعيش على خوف الناس وبتستفرد بيهم واحد ورا التاني وبتجيب أجلهم".

ولم تمر سوى 3 دقائق، ولم نجد أحدا أمامنا، وعم أحمد بيقول: "لقيته بيقولي أنت لسه صغير يابني روح لأي شيخ يحصنك دي مش بتسيب حد فعلا"، بعدها دخل غرفته وخرج ومد يده بمصحف صغير وقال لي: "خد خلي ده معاك وربنا يحميك".

خرجت مسرعا من العمارة متجها إلى بيتي لكني أختلس النظرات إلى الطابق الأخير، وأرى "ريهام" تتحرك في شقتها بسرعة غير طبيعية فمرة تظهر في البلكونة ومرة أمام الشباك وأخرى تجلس على كرسي هزاز في البلكونة، دخلت بيتي وأنا أقرأ المعوذتين وأردد أدعية تبعد الشر عني.

تكرر هذا الحادث طوال الأسبوع الذي غابت فيه ريهام عن البيت، وعندما عادت أردت أن أتحدث معها وأخبرها بكل ما حدث لكن عم أحمد منعني، باتت "ريهام" ليلتها الأولى بعد ما حدث في شقتها، وبقيت مستيقظا أراقب الطابق الأخير، لعلها تحتاج إلى أي مساعدة، وفي الثالثة صباحا، رأيت حركات غريبة في الشقة، فأخذت نظارتي المكبرة لأرى ما يحدث، وإذ بريهام تنظر لي وتبتسم.

تجمد الدم في عروقي وقتها، وأخبرت صديق لي يدعى "وائل" يبحث في الأمور الغريبة ومهتم بما وراء الطبيعة، وكان شغوفًا جدا بما أقوله، وكأنه وجد ضالته في حديثي، شرحت بالتفصيل ما حدث في الفترة الأخيرة، فأخبرني بأن هناك روح في المكان وتسعى للانتقام ولا تجد وسيلة سوى "ريهام" لتفعل ذلك، وأخبرني بأن هناك حوادث قتل مرعبة ستحدث قريبا، وأخبرني بأن أكون على اتصال معه لأطلعه على أي جديد.

مضت 3 أيام، واستيقظت المنطقة كلها على خبر العثور على ابن مسؤول كبير فى البلد جثة هامدة، وأنه مقتول بطريقة بشعة، فصعدت مع أهل المنطقة إلى منزل القتيل في انتظار وصول الشرطة، وإذ بالجثة في منتصف الصالة منزوعة العينين والفم مفتوح على آخره، وكأن القتيل رأى شيئًا مفزعًا.

رأيت ريهام كانت تنظر في البداية بخوف إلى الجثة، لكني لمحت ابتسامة على وجهها، وإذا بعينيها تتحولان إلى اللون الأصفر، وحينما شعرت بي أراقبها صعدت إلى شقتها، ووصلت الشرطة ونقلت الجثمان إلى المشرحة، وتعجب رجال الشرطة من هذه الطريقة فلا توجد دماء ولابصمات.

وهنا بدأ فصل جديد من الرعب وجرائم القتل التي تحدث دون سبب واضح، وكل ليلة بدأت أراقب شقة ريهام، وكل يوم اكتشف شيء غريب يحدث وأخبر "وائل" بما يحدث، إلى أن أخبرني بأنه يريد أن يعطيني شيئا لأضعه أمام العمارة، وبالفعل أخدت منه شيئا يبدو وكأنه كتلة من الورود وجعلني أدفنها أمام العمارة.

مر يومان ولم تنزل ريهام من الشقة، وأخبرني بأنها لن تخرج حتى تزال هذه الورود، وبدأت تخرج كل ليلة في الشباك وتخرج أصواتا غريبة، وفي يوم ما نظرت لها بنظارتي المكبرة، وجدتها تسير على حائط العمارة وتنزل منها، وهي تبتسم ابتسامة صفراء، وعينيها مثبتتين على مكان الورود التي وضعتها أمام العمارة، وفجأة نظرت لي والشرر يتطاير من عينيها واختفت.

يتبع..

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل