طارق سعد طارق سعد خرابات التوك شو
الخميس 13-09-2018 | PM 07:19

أكثر الأخطاء التى كنا نقع فيها بحصص اللغة الإنجليزية فى الصغر كانت الترجمة الحرفية للجمل الإنجليزية فما كان من مدرسى اللغة إلا التوجيه مراراً وتكراراً أن أية ترجمة من الإنجليزية للعربية لا تكون حرفية ولكنها ترجمة بالمعنى وهو أهم دروس اللغة الإنجليزية فما تعلمناه وما زلنا نعانى منه أن الترجمة الحرفية للإنجليزية غالباً ما تقذف بنا لحالة مختلفة تماماً عن المعنى.. والأغلب أنها تنجب كوارث.

هذا بالضبط ما حدث عندما تم استيراد الـ "توك شو" من الخارج فالأصل فى نوعية هذه البرامج كان من المعنى ببرامج يتحدث فيها أصحابها مباشرة للجمهور ويناقشون موضوعات مختلفة ومتنوعة لتتكون حالة برامجية مختلفة وهو ما أطلقنا عليه الـ "شو" ليذيع صيت هذا الشكل ويتنوع فنبدأ فى استيراد التجربة وتنفيذها ببرامج المنوعات والترفيه وهو ما لاقى إعجاباً من الجمهور وقتها لكونه شكلاً مختلفاً وبالتدريج تنوعت هذه البرامج حتى أصبحت "سمك لبن تمر هندى" بأى محتوى وأى كلام و "عبى الفورمات" لنركز فى ترجمتنا الحرفية فيتحول لمجرد "رغى".

مع التطور كان يجب أن ينتقل الـ "توك شو" من المنوعات للسياسة تدريجياً وهذا الـ "يجب" لم يكن من طرفنا بالطبع ولكنه كان توجها خارجيا، فبدأ الـ "توك شو" يتسلل إلى الإعلام المصرى وطبيعى حقق إبهاراً للجمهور الذى وجد متنفساً يناقش أموره الحياتية ومشكلاته يومياً بعدما كان يعانى منفرداً وهو ما كون قاعدة جماهيرية للـ "توك شو" الذى بدأ أول طلقة منه على أول قناة فضائية مصرية لينتقل بعد ذلك للتليفزيون المصرى ويقدم أكبر البرامج وأشملها فى هذه النوعية التى أصبحت جاذبة للإعلانات كاختيار أول وأساسى فـ "التوك شو" سيطر على نصيب الأسد من الكعكة الإعلانية أو كما يقال "وش الفتة".

رغم كل هذه الضجة التى أحدثها الـ "توك شو" والصخب المصاحب له وتحوله للاختيار الأول للمشاهد حتى أصبح معظم الجمهور يجلس أمام الشاشة يومياً ليشاهد برنامجه بالساعتين والثلاثة وربما ما يزيد إلا أن السقطات بدأت وتحديداً من 2010 حتى بدايات 2011 فكان تأليب المجتمع وتحريضه من اللا وعى وجعله فى وضع الساخط المتحفز دائماً وبالطبع لا ننسى الكارثة الكبرى والأهم وهى الجملة الفاجرة الشهيرة للسياسى الهارب رجل التويتر الأول عندما قال فى أشهر هذه البرامج "الجيش بيعمل مكرونة يا منى" وهو ما كان جرس الإنذار الأول والداعى للانتباه حول غرض هذا الحوار والغرض من "تنجيمه" من الأساس ومع حالة التأليب التى كانت تمارسها هذه البرامج كان وضعاً طبيعياً أن يرفع مدير جهاز المخابرات لرئيس الدولة وقتها تقريراً يحذر فيه من هذه البرامج وهذه المدة المفرودة لها على الشاشة والتى تسيطر على عقل المشاهد لساعات طويلة تبث فيها السم فى العسل ويطالب بتقليص مدتها تدريجياً حتى يتم الاستغناء عنها تماماً.

الحقيقة أن مع انطلاق أحداث يناير وموجات التخريب والإجرام الموجهة لهدم الدولة ظهر وجه آخر مفاجئ لهذه البرامج والأصل أنه الوجه الحقيقى لها من الهدف التى صُنعت وشُكلت له من الأساس فقادت برامج الـ "توك شو" الأحداث مدعمة بالرعايات الإعلانية وكانت ناقلة لها ومروجة لأهدافها وأغراضها وفى بعض الأحيان محركة لها وتساقطت الأقنعة المتلونة ما ساهم فى اشتعال النيران بشكل متسارع فى أعمدة الدولة الرئيسية وكادت تتحقق الأهداف الشيطانية المحددة لولا أن لهذا البلد رجالاً صدقوا الوعد وحافظوا على العهد وصقور تحلق ولا تنام لينتهى المطاف بصاحب الشرارة الأولى وجملته الفاجرة هارباً منكفئاً على تويتر يبث سمومه وهو يتناول الـ "مكرونة" منبوذاً.  

مؤكد وبلا شك بعد العبور التاريخى لهذه المرحلة المشئومة ستكتشف أن الـ "توك شو" خلَف ورائه أنقاضاً كثيرة مكوناً "خرابات" واسعة عليها لافتة كبيرة واضحة تحمل اسم صاحبها "توك شو" ليصب الجمهور غضبه على أصحاب هذه البرامج وواجهاتها ممن تكسبوا من الجلوس أمام الكاميرا على حساب الجميع فيعلن العصيان عليهم ليتساقطوا الواحد تلو الآخر فمنهم تحول بعد توسلات إلى تقديم البرامج الاجتماعية ومنهم ما زال يعمل دون أى صدى جماهيرى يذكر ومنهم من هرب ليكمل تحريضه من الخارج ومنهم شيخ المحرضين الذى تم طرده من القناة الألمانية بفضائح أخلاقية وفساد مالى لينكشف الوجه الحقيقى لمن كانوا يقودون هذه البرامج لتحقيق أهدافها الخبيثة.

فطنت الجماهير لـ "خرابات التوك شو" فانصرفت عنها وأدارت لها ظهرها رغم ما كونته هذه البرامج من قاعدة جماهيرية كبيرة إلا أن نفس هذه الجماهير لم تبكى أو تتعاطف مع انحسار الـ "توك شو" وتساقطه فلم يعد للجماهير "مرارة" لمتابعة نفس الوجوه فى كل المراحل بكل الألوان و"على كل لون يا باتيستا" فأصبحت ترفضهم جملة وتفصيلاً بعدما أداروا "لعبة الشيطان" ولا تتمنى رؤيتهم يتنقلون بين القنوات مجدداً ... بالتأكيد مصر أنجبت آخرين صادقين النية يستطيعون الوقوف أمام الكاميرا مقدمين المصلحة العامة على المصالح الشخصية وحسابهم البنكى!

ربما انتهى عصر الـ "توك شو" أو كما نقول "انضرب سوقه" ولكن .....

ماهو البديل المناسب لمخاطبة الجمهور بشكل متوازن يفى بالغرض؟ من يستطيع أن يظهر على الشاشة ويكسب ثقة الجمهور بعدما تسبب هؤلاء الآخرون فى انفجار المصداقية كمداً وغيظاً؟!

رقعة الشطرنج لا تتحمل التعرى من كل القطع فمؤكد عند محركها قطعاً مازالت لم تتحرك بعد وتنتظر التقدم للصفوف الأولى لتحمل لواء المرحلة وتقدم الأداء الأفضل والأصلح وهو ما نبحث عنه بكل شغف ......

 فالأمر على المدى حقيقة شديد الخطورة ويجب الانتباه له بقوة.

من .. وأين .. ومتى؟! ما زال الهاتف غير متاح مؤقتاً وما زلنا نحاول أن نبحث عن إجابة سريعة فى وقت لاحق قبل فوات الأوان!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل