سؤال «حلال» حول الجريمة «الحرام» فى سيناء

أحمد فكرى

أحمد فكرى

كاتب صحفي

قال الدكتور معتز بالله عبدالفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تعليقا على قرارات الرئيس محمد مرسى بإقالة مدير المخابرات العامة ومحافظ سيناء وقائد الحرس الجمهورى ومدير أمن القاهرة وآخرين عقب حادث سيناء الإجرامى: «الآن لدينا رئيس يمارس صلاحياته».. والتعبير على بساطته يثير تساؤلات خطيرة رغم أن المتحدث باسم «مؤسسة الرئاسة» ألح كثيرا فى التأكيد على أن التغييرات لا علاقة لها بالحادث الإجرامى، وأنها جرت ضمن «صلاحيات الرئيس». والواقع أن التغييرات التى جرت فى أجواء «الجريمة النكراء» ترتبط مباشرة بسياسات «رد الفعل» التى أدمنتها مصر لسنوات طويلة فى مواجهة المخاطر، وكانت واسعة حتى شملت مواقع بعيدة عن الحادث، وخذ مثلا تغيير مدير أمن القاهرة وقائد الحرس الجمهورى وآخرين لا علاقة لهم بما جرى، إلى حد اعتبارها إعادة لترتيب البيت «أمنيا». وجرت التغييرات عقب تصريحات اللواء مراد موافى مدير المخابرات العامة قبيل إقالته بقليل، أكد فيها أنه 1ـ حذر من الحادث، 2ـ كانت لديه معلومات عنه قبيل وقوعه بأسبوع، 3ـ أبلغ الجهات المسئولة وفق مسئوليات وصلاحيات وظيفته، وهى تصريحات لا يمكن أن تمر مرور الكرام. فحسب قانون إنشاء جهاز المخابرات العامة «تنحصر مسئولية الجهاز فى ملاحقة المعلومات، وترتيبها، وتحليلها، وتسليمها مباشرة إلى الرئيس ليتخذ ما يراه مناسبا من إجراءات».. ويعنى ذلك أن اللواء «مراد موافى» أبلغ الرئيس، أو على الأقل مسئولى «مؤسسة الرئاسة»، بمعلومات متوافرة لديه عن الجريمة قبيل وقوعها، ولم يتخذ الرئيس وفق صلاحياته التدابير اللازمة لمنع وقوع الجريمة فـ«وقعت».. فيما اتخذت إسرائيل بالمعلومات التى توافرت لديها إجراءات حماية مواطنيها، وحذرت رعاياها من دخول سيناء، وكانت يقظة إلى حد تدمير المدرعة المختطفة بعد ثلاث دقائق من تنفيذ الجريمة، وعبورها للجانب الآخر. رواية اللواء مراد موافى حول تحذيرات المخابرات العامة من الجريمة.. والإجراءات التى اتخذتها إسرائيل، تؤكد توافر معلومات سابقة عنها، وأن مسئولين فى مصر قصروا.. وأهملوا.. إن لم يكونوا متورطين فيما جرى. والمشهد كله بداية من المعلومات التى تجاهلها الجميع، وتلاحق الأحداث، والجريمة، والتغييرات الأمنية الواسعة، يلقى ظلالا من الغموض حول الحادث، ويفرض إعادة قراءته من جديد حتى لا تضيع دماء الشهداء هدرا إذا ما بقيت الأمور مختلطة، وتائهة، والمشهد ضبابيا إلى هذا الحد. وخطورة «الرواية» أنها تمس شخص الرئيس، ومسئولياته، وصلاحياته، وقسمه الدستورى، ولا ينفيها إقالة مدير المخابرات العامة، أو إزاحة عدد من القيادات الأمنية أو تعليق أحد المراقبين «استعاد الرئيس صلاحياته، أو مارسها»، لأن صلاحيات الرئيس لا يمكن اختصارها عند حدود تغيير الموظفين، وإقالتهم، مهما كبروا، بقدر ما تعنى حماية الأمن القومى، وأرواح المصريين، ودماءهم، وأراضيهم. ثم إن قرار الإقالة الذى جاء ضمن سياسات «رد الفعل» التى ورثتها «المؤسسة الرئاسية» عن النظام السابق، وهى نذير شؤم، أعطى الرواية مزيدا من المصداقية، وعلق مسئولية ما جرى فى رقبة الرئيس.. فضلا عن ذلك اعتبر كثيرون أن قرار الإقالة جاء انتقاما من الرجل الذى ربط «مشيها كده بلاش ورطة» فى المسئولية الجنائية بين الرئيس والجريمة. الغريب فى الأمر أن «مؤسسة الرئاسة» لم تنفِ «الرواية» ولم تعلق عليها، وتركت الشارع غارقا فى ضبابية المشهد.. كما فتحت بالتغييرات الأمنية الواسعة التى اعتبرها محللون بمثابة إعلان عن «ممارسة الصلاحيات» الباب أمام سؤال «حلال» فى جريمة «حرام» وموجعة.. فهل جرت «التغييرات» نتيجة «للحادث الإرهابى»، أم جرى «الحادث المفجع» لـ«إجراء» التغييرات واستعادة صلاحيات الرئيس؟!