مصر وجهة نظر!

بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وضعت أطراف دولية وإقليمية ضمن خطتها الاستراتيجية وسياستها الخارجية هدفاً يقضى بعدم السماح باستمرار مصر قوة إقليمية فى المنطقة، وذلك بتحجيم مجالها الحيوى وتقليص نفوذها السياسى والثقافى فى العالم العربى وأفريقيا بشتى الوسائل الممكنة وباستخدام جميع الأدوات المتاحة. وبعد حرب أكتوبر 73 شجعت تلك الأطراف قوى إقليمية على منافسة مصر لدورها السياسى والثقافى لتحقيق مزيد من التآكل لنفوذ مصر ولتأثيرها ولمكانتها فى المنطقة لجعل تجربة محمد على وتجربة جمال عبدالناصر مجرد فصل من التاريخ، بعدما قد جرب العالم وجربت المنطقة مصر عندما تكون دولة إقليمية قوية. وانتهزت بعض القوى الإقليمية الفرصة لتعزيز نفوذها ولمد دور لها فى الإقليم باستخدام القوة العسكرية وسلاح المال لتبقى مصر داخل القفص الذى تم دفعها إليه أو اندفع الرئيس الراحل أنور السادات بها إليه طواعية. لقد كان لذلك نتائج كارثية على مصر والمنطقة بل وعلى تلك القوى التى شاركت فى تنفيذ هذا المخطط لعل آخرها بروز إيران كقوة إقليمية ذات نفوذ وتأثير واسع وكلاعب أساسى فى معظم ملفات المنطقة يملك الكثير من أوراقها. لقد جرت خلال تلك الفترة، من 1974 وحتى 25 يناير 2011 بل وحتى الآن، أكبر عملية تدمير لمؤسسات الدولة وأوسع عملية هدم لأعمدتها الرئيسية وكذلك أكبر عملية نهب منظم لثرواتها بالتلازم مع اختيار الأسوأ ووضعه على مقعد القيادة فى الكثير من المواقع والمؤسسات، حيث بذلك لا تصبح مصر قوة إقليمية ولا تتوافر لها المقومات البشرية، وتلاشت الطبقة الوسطى عماد المجتمع وتقدمه، وبات نحو 40% من مواطنيها تحت خط الفقر. نجحت هذه الاستراتيجية فى تهميش مصر وانكفائها على الداخل الذى أنذر بانفجارها من الداخل -أزمات اقتصادية واجتماعية وانهيارات سياسية وأخلاقية- على يد حفنة «أشرار وطنيين»، يسمون أنفسهم نخبة جديدة مرة باسم الاشتراكية ومرة باسم الليبرالية الجديدة ورجال أعمال وساسة ومثقفين واقتصاديين انزرعوا داخل بعض مؤسسات الدولة وأحزاب المعارضة والنقابات ومنظمات المجتمع المدنى ووسائل الإعلام، شاركوا جميعاً فى تنفيذ هذه الاستراتيجية والسياسات. هؤلاء كانوا يمثلون مواصفات حددها السادات ثم خلفه حسنى مبارك للمسئولين والمعاونين عبّر عنها السادات (عندما أبلغه مدير مكتبه فى بداية عهده السيد سامى شرف بأسماء المرشحين لتولى الحقائب الوزارية فى أول حكومة يشكلها بعد توليه الرئاسة ووصفهم بأنهم أكفاء وشرفاء) قائلاً لسامى شرف، فى سخرية: «روح وسّخهم الأول يا سامى وبعدين نبقى نجيبهم وزراء»! وعلى هذا الصعيد الداخلى زاد الوضع سوءاً وتدهوراً، فما كانت مصر تعتبره -من منظور الأمن القومى- خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها ولا يمكن السماح لأحد بتجاوزها قد تم تجاوزها بالفعل فى الداخل، الفتنة الطائفية على يد أطراف عدة بينها عناصر من تلك الحفنة الوطنية من الأشرار وبأموال تيارات سلفية قادمة من أطراف إقليمية ومن الخارج أيضاً.. وسيناء باتت مستباحة من جانب فئة من الطائفتين. فأمن مصر القومى من جهة الشرق (فى فلسطين) ومن جهة الجنوب (فى السودان) أصبح مخترقاً، فهناك أطراف خارجية تلعب فيه جهاراً نهاراً، حيث لم تعد مصر تخيف أحداً، وأطراف إقليمية باتت تملك فى قضايا فلسطين والسودان أوراقاً منحتها دوراً فى هذه القضايا أكبر وأكثر تأثيراً من دور مصر، استطاعت تلك الأطراف أن تجهض أى مشروع أو تحرك أو جهد فى هذه القضايا، وأصبح أى تحرك مصرى يواجه احتمالات الفشل من دون أن يمر عبر بوابات هذه الأطراف، وبات لهذه الأطراف ووكلائها «قول» فى أمور تتعلق بأمن مصر القومى! (منطقة البحر الأحمر وباب المندب على سبيل المثال). لقد أهدر السادات ومبارك 38 عاماً من عمر مصر والمصريين فى تجريف مستمر لثرواتها وقدراتها، وزادا على ذلك بدعم تيارات «إسلامية» أصولية أو بعقد الصفقات معها حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه ولما تعانيه مصر منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن، حيث شاركا فى صناعة أسطورة «الجهاد الإسلامى» فى أفغانستان بينما كانا قد أبرما سلاماً مع إسرائيل، كما عقدت تلك التيارات الصفقات معهما بينما المسجد الأقصى تحت الاحتلال! وفى مناخ كهذا تلاشى الانتماء وباتت الوطنية وجهة نظر وكذلك الخيانة وجهة نظر، وتراجعت قيمة العلم وتقدمت الثروة، واستُبيحت الذاكرة الوطنية تحت شعار ثقافة السلام، وشاهد(ويشاهد) المصريون -حتى بعد 25 يناير- كفاءات تُغتال وقدرات تتبدد بينما طموحات غير مشروعة تختال بجهلها وتفاهتها وتتسكع فى أروقة مؤسسات بالدولة.. هكذا أوضاع تعكس فى حقيقة الأمر أزمة شرعية حقيقية فى كل موقع جرؤ البعض فى ظلها أن «يطلب» ثمناً لجهالته بينما كان عليه أن «يدفع» فاتورة ما ابتلوا البلد به. كم هى شاقة مهمة أى رئيس قادم لمصر إذا أريد لهذا البلد أن ينهض.