التاريخ الأسود لـ«تجار الديون».. محترفون فى الثراء عبر توظيف «الثغرات»

كتب: أيمن صالح

التاريخ الأسود لـ«تجار الديون».. محترفون فى الثراء عبر توظيف «الثغرات»

التاريخ الأسود لـ«تجار الديون».. محترفون فى الثراء عبر توظيف «الثغرات»

«قوة مزعزعة للاستقرار تدخل إلى الاقتصاد فتخلق ازدهاراً كاذباً، وفى طريق خروجها تترك خلفها فوضى لا توصف، إنها أموال لا يمكننا رؤيتها أو لمسها»، هكذا وصف تقرير حديث لمركز أبحاث «أرقام» المتخصص فى الشأن الاقتصادى «الأموال الساخنة»، أو ما يطلق عليه البعض اسم «رأس المال الخامل» الذى يحركه «تُجار الديون»، عن طريق توظيف تلك الأموال فى تحقيق أعلى العوائد دون أى احترام للشروط، أو الالتزام بأى قواعد أو حتى الالتفات إلى المخاطر المترتبة، وبشكل لا يساهم فى خلق أى نشاط اقتصادى حقيقى.

{long_qoute_1}

فى يناير من عام 1998 شن رئيس الوزراء الماليزى السابق مهاتير محمد هجوماً على مستثمرى «الأموال الساخنة» الذين ساهم سلوكهم الاستثمارى فى تعميق الأزمة المالية الآسيوية، حيث صرح قائلاً: «لقد أمضت هذه البلدان 40 عاماً تحاول أن تبنى اقتصاداتها، ثم يأتى مستثمرون مثل جورج سوروس ومعهم الكثير من الأموال للمضاربة وتدمير كل شىء».

الأموال الساخنة، هى استثمارات انتهازية قصيرة الأجل «عادة لا تزيد مدتها على عام واحد» تستهدف بشكل رئيسى اقتصادات البلدان النامية، وبالأخص تلك التى لديها أسعار فائدة أعلى من المتوسط، وتخرج من بلد لتدخل آخر بغرض تحقيق أكبر عائد ممكن فى أقصر فترة زمنية ممكنة.

وقصة «الأموال الساخنة» مع الأسواق الناشئة أصبحت أشبه بالفيلم الذى شاهدناه عشرات المرات، لدرجة جعلت الكثيرين يملون من تكراره.

هذا ما حدث فى أيسلندا وإسبانيا واليونان ومن قبلها تايلاند وماليزيا وكوريا الجنوبية وهونج كونج، فباستثناء بعض التفاصيل المختلفة، عادة ما يكون السيناريو كالتالى:

فى البداية يتم صب هذه الأموال صباً فى تلك الأسواق عندما تعرض أسعار فائدة أعلى من المتوسط على ديونها قصيرة الأجل، ولكن بمجرد أن تنخفض الفائدة لتعود إلى المستويات الطبيعية تخرج هذه الأموال أسرع مما دخلت، وما يحدث بعد ذلك معروف: تنهار العملة الوطنية ويتأزم سوق الأسهم المحلية، ويضحى البنك المركزى بالاقتصاد الحقيقى من أجل إنقاذ سعر الصرف، فالأموال الساخنة من المفترض أنها مثل أى أموال أخرى، ولكن سبب خطورتها يكمن فى طبيعة القطاعات التى تستهدفها هذه الأموال، فلو أنها تدخل إلى الاقتصاد من أجل تطوير أعمال جديدة وخلق فرص عمل ونمو مستدام، لكانت موضع ترحيب من قبَل الجميع، لكن أصحاب هذه الأموال لا يفضلون هذه الطريقة التقليدية فى الاستثمار، ويقومون بدلاً من ذلك بالاستثمار فى أدوات الدين الحكومى قصير الأجل لتمويل الإنفاق العام أو الاستهلاكى، أو الدخول فى قطاع العقارات والإنشاءات «السكن أو البنية التحتية» مسببين فى كثير من الأحيان فقاعات مالية ضارة.

للأسف الكثير من الحكومات تفشل فى التفرقة بين تدفقات الأموال الساخنة وبين الاستثمار الأجنبى المباشر الحقيقى، فالمشكلة هى أن هذا الطلب المتزايد تقوده بشكل رئيسى مشتريات المستثمرين الأجانب الذين لا يعتزم معظمهم العيش فى البلدان التى يدخلونها، وهؤلاء ببساطة يتعاملون مع العقارات السكنية إذا اشتروها باعتبارها استثماراً ذا عائد مرتفع، وفى نفس الوقت ليس لديهم أى التزام تجاه الدولة، وسيبيعون تلك العقارات بمجرد أن تظهر أمامهم فرص أفضل، وإذا لم تكن هناك ضوابط تنظم خروجهم، فقد ينهار سوق الإسكان على سبيل المثال. الخلاصة أنه ربما أفضل تشبيه لـ«الأموال الساخنة» هو أنها مثل الصاحب المنافق، الذى يبذل كل شىء من أجل الحصول على ثقتك ويحرص على مرافقتك طالما تمضى الأمور على نحو جيد، ولكن حينما تلوح الشدة فى الأفق وتحتاج إليه تلتفت وراءك فلا تجده، والأسوأ من ذلك أنه قد يستغل الأزمة.


مواضيع متعلقة