الفيلم الأمريكى المواطن بطولة النجم «خالد النبوى» الذى يعرض هذه الأيام فى دور العرض فى مصر يقف فى نقطة شديدة الحساسية بين نوعين من القيم المختلفتين والمتصارعتين على مستوى التاريخ الحديث، قيم المواطن العربى المستمدة من دينه وأخلاقه، وقيم المواطن الأمريكى المستمدة من دستوره وتشريعاته وقوانينه.
وطالما هناك صراع بين هذين النوعين من القيم فمن المفترض أن ينتهى هذا الصراع بانتصار واحدة على الأخرى، لكن المفارقة المهمة والمعقدة التى أوجدها الفيلم أنه كسر تقليدية النهاية المتوقعة ليعلن فى نهاية الفيلم الفوز للاثنتين معاً، فوز قيم الدستور الأمريكى التى أنصفت المواطن العربى «إبراهيم الجراح» وبرأته من التهم التى وجهت إليه كونه خطراً على الأمن القومى الأمريكى ويجب ترحيله وأعطته الجنسية الأمريكية التى جاء من أجلها، فى مشهد شديد الدلالة حين أصر ذلك المواطن العربى المسلم أن يدافع عن نفسه أمام المحكمة، وأنه ليس بالضرورة كونه عربيا مسلما أن يكون إرهابيا ويشكل خطورة على أمن أمريكا، وهنا نقطة مهمة لأنه حينما دافع لم يستحضر القيم العربية والإسلامية فى الدفاع، وإنما استحضر القيم التى جاءت فى الدستور الأمريكى واستحضر أيضاً التاريخ الأمريكى حين عاد أمام المدعى باسم الحكومة إلى جذور الأمريكيين أنفسهم الذين يتشابهون معه شخصيا، فكلهم هاجروا إلى أمريكا وليس من سكانها الأصليين، وهنا أستطيع القول إن نجاح «إبراهيم الجراح» فى معركته أمام المشرع الأمريكى جاءت انتصارا لقيم الدستور الأمريكى نفسه، أى أنه انتصر بها وانتصر لها فى نفس الوقت ولم يدخل معها فى صراع مسبق أو يعاديها.
ولكن يبقى الجزء المهم وهو كيف انتصرت هنا قيم المواطن العربى والمسلم طالما قلنا فى البداية إن الفيلم حقق انتصارا للنوعين من القيم المتصارعة؟
وهنا أعود إلى فك شفرة دلالات الفيلم وتحديدا إلى مشهد البداية فى المطار حين يصل إبراهيم الجراح ويمد يده إلى جيبه ليخرج «حبة الملبس» كما يسميها هو، نوع من الحلوى اللبنانية، حبات الحلوى هذه كانت رفيقة إبراهيم ومعها المصحف الذى لم يغب عنه طوال أحداث الفيلم المتصارعة طوال الوقت، حتى نهايته حين يحقق انتصاره الشخصى والقيمى معا ويجلس على مكتبه ممتلكاً أكبر معرض للسيارات وتزوج تلك الفتاة الأمريكية وأنجب منها، وما زالت تلك الحلوى أمامه، يمد يده بين الحين والآخر ليقتات منها ما يقويه على الصمود، هى تيمة القيمة التى لم يتخلَّ عنها مقابل نوع آخر من الحلوى الأمريكية، وهى تلك القيمة التى راوده بها المحقق حين قُبض عليه بتهمة علاقته بتفجيرات 11سبتمبر وطلب منه أن يعترف بجريمة لم يرتكبها ويصبح شاهدا وإلا لن يتذوق تلك الحلوى مرة أخرى، لكن إبراهيم صمد ورفض وانتصر فى النهاية بعد ستة أشهر حين خرج من السجن المهين ليجد تلك الفتاة الأمريكية التى ساعدها بقيمه هو من جنون صديقها الأمريكى حين حاول الاعتداء عليها فى تلك الغرفة التى جاورت غرفته فى فندقه الذى نزل به، تلك الفتاة التى أكلت من حلواه العربية والشرقية واستطعمتها ظلت محتفظة له بها حتى خرج من السجن ليأكلا معا، أو ليجذبها بها إلى عالمه هو لتصل فى النهاية لأن تكون زوجته وتنجب منه طفلا جميلا، هذا الزواج ليس زواجا بين شخصين بل جاء فى الفيلم ليكون زواجا بين حضارتين مختلفتين ومتصارعتين، زواجا يكذب كتابات صموئيل هنتنجتون «فى صراع الحضارات وصدام الحضارات»، ويكذب تيار الصقور الأمريكيين الذى زادت سطوتهم أيام بوش الابن حين احتلوا العراق واحتلوا أفغانستان فى عامين متتاليين تحت شعار محاربة إرهاب دول ليس صدفة أن تكون إسلامية.
هذه النهاية تنزع فتيل قنبلة الصراع وتقول بمنتهى البساطة أن إمكانية تزاوج هذه الحضارات وارد بل إن هذا الزواج لن يكون زواجا عقيما بل زواج إيجابى ينجب وليدا جديدا يحمل قيم الحضارتين دون وقوع فى فخ الصراع. الشىء الآخر أن إبراهيم استطاع أن يصنع شعبيته فى محيطه بتلقائية شديدة البساطة بعيدة عن التكلف، فهو ذهب إلى أمريكا لا ليتخلى عن قيمه ويلبس قميص القيم الأمريكية بل ذهب بغرض أن يكون مواطنا أمريكيا مع إصراره على الحفاظ والتمسك بقيمه هو. هو يتصرف فى أمريكا كما يتصرف فى لبنان أو مصر أو أى بلد عربى مسلم، هو حين استجارت به الفتاة فى أول ليلة له فى الفندق من بطش حبيبها، حماها فى غرفته وقدم لها ما يملكه وهى حلواه وأكرمها، ولم يتحرش بها أو يراودها عن نفسها.
وهو أيضاً الذى حين تعرف على ذلك الشخص المتشرد اقتسم معه لقمته وآواه فى بيته وبحث له عن عمل، وحين خرج منكسرا مهزوما بعد أن باع صديقه محطة البنزين التى كان يعمل بها ورأى مجموعة من الشباب يحاولون قتل شاب وحيد انبرى للدفاع عنه وأصيب ودخل المستشفى وكاد أن يموت، هو الذى حين انهار برج التجارة كان أول المتبرعين بالدم للضحايا، وأول من أشعل الشموع تعاطفا معهم.
هو يمارس منظومة قيمه العربية والإسلامية فى أمريكا وهذه القيم هى التى كانت سفينة النجاة له، هى التى قدمته على من عمل معه فى المرة الأولى، وهى التى عرفته على الأمريكى الثرى والد الشاب الذى أنقذه ليفتح له باب الرزق ويكون من مالكى معارض السيارات.
لوبى الخير الذى كونه إبراهيم الجراح فى أمريكا هو الذى تبنى الدفاع عنه فى معركته حين صدر بحقه قرار ترحيله عن أمريكا.
الشىء الآخر أن إبراهيم لم يظهر ولا مرة واحدة فى الفيلم يشرب كأسا من الخمر، أو يظهر فى مشهد مثير مع صديقته الأمريكية التى تزوجها فى النهاية، بل ظهر كثيرا وهو يفرد سجادة الصلاة ويقرأ القرآن.
إبراهيم الجراح يكسر قاعدة الصدمة الحضارية التى تناولها الطيب صالح فى روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» أو توفيق الحكيم فى «عصفور من الشرق» أو سهيل إدريس فى روايته «الحى اللاتينى»، يكسر صورة الشرقى الذى يريد أن يقتحم الغرب بذكورة وهمية.