جمال طه جمال طه «إيست ميد».. وعودة إلى حرب الغاز «5»
الخميس 06-12-2018 | PM 10:00

كنت قد أنهيت فى مارس الماضى سلسلة مقالات «حرب الغاز»، تناولت فى الأول ساحة الحرب وأطرافها، أوضحت فى الثانى الاستعدادات الميدانية لكل طرف، وطرحت فى الثالث سيناريوهات الصدام المحتمل، وختمتها برصد لمواقف القوى الدولية والإقليمية فى حالة وقوع الصدام.

اكتشافات الغاز فى عمق مياه المناطق الاقتصادية الخاصة بدول شرق البحر المتوسط طرحت إشكاليات نقله لمناطق استهلاكه، عمليات النقل تتم عادة إما عن طريق الأنابيب، أو باستخدام الناقلات العملاقة بعد تسييله، السباق احتدم بين مصر وإسرائيل وقبرص على كيفية التصرف فى تلك الثروات الغازية الضخمة، وكيفية نقلها إلى أوروبا، السوق الرئيسية لاستهلاكه، باعتبار أن هذه الدول قد بدأت بالفعل فى إنتاج الغاز.. مصر لا تواجه مشكلة فى النقل كمنافستيها، فهى تمتلك محطتين لتسييل الغاز الطبيعى، ما يسمح لها باستخدام الناقلات العملاقة فى نقل الغاز المسال، مباشرة إلى أوروبا، أو عبر قناة السويس إلى آسيا.. قبرص لا تتوافر لديها مصانع إسالة، والاحتياطى المؤكد لاكتشافاتها يتجاوز كثيراً احتياجاتها المحلية، لكنه لا يتناسب والجدوى الاقتصادية لمد خطوط أنابيب لأوروبا بتكلفتها العالية، ثم إن العداء التركى جمعها فى تحالف استراتيجى مع أثينا والقاهرة، لذلك قررت أن تضخ الغاز لمصر، تستهلك منه ما تحتاج داخلياً، أو تستخدمه فى صناعاتها البتروكيماوية، وتصدر الباقى، لينحصر التنافس فى النهاية بين مصر وإسرائيل، ويدور محوره الرئيسى حول خط الغاز البحرى «إيست ميد»، الذى يضخ غاز شرق المتوسط إلى أوروبا.. ماهى خطط إسرائيل بشأنه؟! وما موقع مصر منه، وما علاقته بها؟!.. ولنبدأ بإسرائيل.

يوفال شتاينتز، سياسى ليكودى محترف، حاصل على دكتوراه فى الفلسفة، شغل عدة مناصب وزارية: المالية، الاستخبارات، العلاقات الدولية، والشئون الاستراتيجية، ما يعنى أنه صاحب رؤية.. منذ أن تولى وزارة الطاقة والبنى التحتية فى إسرائيل منتصف 2015، وهو يعكف على تحويل الغاز إلى شبكة مصالح يعزز نفوذ إسرائيل على الصعيد الإقليمى، قدم خلال مؤتمر بأبوظبى يناير 2016، مقترحاً للاتحاد الأوروبى بإنشاء خط أنابيب لأوروبا، الإمارة قدمت 100 مليون دولار لتمويل دراسات الجدوى، والاتحاد الأوروبى وفر 70 مليوناً.. لكن المقترح تم اعتباره يدخل فى إطار اللامعقول، لأن طول الخط 2100 كم، وهو غير مسبوق فى العالم، ويمتد فى البحر على أعماق تصل إلى 4000 متر، وهى أعماق لم يتم النزول إليها بالأنابيب من قبل.. القمة الثلاثية التى جمعت نتنياهو وتسيبراس رئيس الحكومة اليونانية والرئيس القبرصى أنستاسيادس فى نيقوسيا يناير 2016، أسفرت عن تأسيس «الهيئة الثلاثية للدفع بالمصالح المشتركة»، خاصة ما يتعلق بمد خط الأنابيب بين إسرائيل وقبرص وصولاً إلى اليونان، لتصدير الغاز إلى أوروبا، اللقاء الثانى بين الرؤساء الثلاثة تم فى تل أبيب ديسمبر 2016، ثم لقاءات دورية فى أثينا يونيو 2017، ونيقوسيا مايو 2018.. نتنياهو استقبل وزيرى خارجيتى اليونان وقبرص 13 سبتمبر الماضى، للترتيب لقمة ثلاثية تعقد فى بئر سبع جنوب إسرائيل، الموضوع الرئيسى الذى تصَّدر المباحثات فى كل هذه اللقاءات كان تعزيز التعاون فى مجال الطاقة من خلال مشروع مد خط أنابيب الغاز الذى أطلق عليه «إيست ميد».

شتاينتز ووزيرا الطاقة القبرصى واليونانى أعلنوا فى ديسمبر 2016 عن التوصل إلى اتفاق لدفع إجراءات تنفيذ مشروع الخط، أعقبه اجتماعهم بحضور ممثل لنظيرهم الإيطالى، فى وجود ميجيل أرياس كانيتى مفوض الطاقة الأوروبى أبريل 2017، كانيتى أعرب عن اعتقاده بأن المشروع «سيفى بكل المتطلبات اللازمة، بما يسمح بتقديم تعهدات مالية».. الدول الأربع وقعت على مذكرة تفاهم بشأن المشروع بالأحرف الأولى فى نيقوسيا ديسمبر 2017.. وعلى هامش مؤتمر «سيرا ويك» للطاقة فى هيوستون مارس 2018 كشف الوزير الإسرائيلى عن تحمس الاتحاد الأوروبى للمشروع واعتباره «تنافسياً للغاية» بعد النتائج الإيجابية لدراسات الجدوى التى أجراها الاتحاد.. إلى أن تم إعلان التوصل لصيغة مبدئية للاتفاق 26 نوفمبر.. المديرون العامون لوزارات الطاقة لإسرائيل وقبرص وإيطاليا وممثل الاتحاد الأوروبى، يعكفون حالياً على إنهاء بعض التفاصيل الدقيقة للاتفاق، ووضعه فى إطار قانونى، لتوقيعه نهاية الربع الأول من 2019.

الخط يبدأ من مناطق الإنتاج شرق المتوسط، بأنبوب بحرى يبلغ طوله 200 كم يمتد حتى قبرص، يتصل بخط أنابيب بحرى طوله 700 كم يربط قبرص بجزيرة كريت، ثم يمتد بخط بحرى لمسافة 400 كم من كريت إلى الأراضى اليونانية، يتصل بأنبوب برى طوله 600 كم يعبر بيلوبونيز وغرب اليونان، ومنها إلى شبكة توزيع دول شرق أوروبا والبلقان، لكن الواقع يؤكد أنه بمجرد دخول السوق الأوروبية يصبح منفتحاً على شبكة توزيع تغطى احتياجات نصف مليار مستهلك، هم أكبر مستهلكى الغاز فى العالم.. التكلفة التقديرية للخط 7 مليارات دولار، لكنها فعلياً قد تتجاوز 10 مليارات، الاتفاق ينص على تمويل أنبوب الغاز عبر القطاع الخاص، حتى يتحول إلى كيان خاص غير تابع لدول، وبالتالى يكون بمنأى عن المحاور والخصومات السياسية التقليدية فى المنطقة، خاصة المتعلقة بإسرائيل، أو تلك التى قد تطرأ مستقبلاً بين أطرافه، وإن كان ذلك لا يمنع من مساهمة البنك الأوروبى للتنمية فى التمويل، نظراً لضخامة احتياجاته، التى من المتوقع أن يستغرق تدبيرها عاماً قبل بدء البناء، ما يعنى أن خط الأنابيب لن يكون جاهزاً قبل 2025، القدرة المعلنة للخط 12 مليار متر3 من الغاز سنوياً، يمكن رفعها إلى 20 ملياراً.. إسرائيل تستعد بحماس، حيث تصل فى يناير المقبل منصة تكلفتها 3 مليارات دولار، يجرى تصنيعها الآن فى تكساس، لتثبيتها على بعد 10 كيلومترات من الساحل، لتدشين المرحلة الأولى من الاستخراج المُخصَّص للتصدير.

اتفاق إنشاء الخط تضمن السماح للدول الأخرى بالانضمام مستقبلاً، شريطة موافقة الدول الأربع، خاصة أن بلغاريا وصربيا ورومانيا طلبوا ذلك بالفعل، كما أن إيطاليا طلبت الموافقة على مد الأنبوب لاحقاً إلى فرنسا وإسبانيا، إذا رغبتا فى استيراد الغاز عبره.. كل ذلك دون أى إشارة إلى مصر!!!.. ما علاقتها بالاتفاق؟.. وما علاقته بخططها الطموح، فى أن تتحول إلى مركز دولى للطاقة، وعلى رأسها الغاز الطبيعى؟ موضوع بالغ الأهمية، نأمل فى استكماله الجمعة المقبلة.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل