لقد منحت الأقدار المصريين عام 1805 فرصة تاريخية لأن يحكم بلدهم واحد منهم لأول مرة منذ نهاية حكم الأسر الفرعونية، لكن أحداً منهم لم يتقدم، وبدلاً من كتابة «وثيقة عودة حكم مصر للمصريين» ذهبت الطبقة السياسية والدينية آنذاك إلى محمد على العسكرى الألبانى فى الفرقة العثمانية، التى كانت قد جاءت لصد الحملة الفرنسية على مصر، لكى يهدوا إليه حكم البلاد التى حكمها بشرعية اختيار وجهاء الأمة وممثليها.
لكن محمد على لم يهدر الفرصة التاريخية التى أتيحت له لكى يؤسس أسرة حاكمة تأسيساً على إنجازات تجربته التى منحته شرعية إضافية، مستأنفاً حكم «الأسرات»، وأبرم صفقة مع القوى الدولية عام 1840 حصل بمقتضاها فى معاهدة لندن 1840 على توريث الحكم لذريته من بعده مقابل التخلى عن مشروعه الإقليمى.
وفى عام 1882 حاول الأميرالاى (عميد) فى الجيش المصرى أحمد عرابى، لأول مرة منذ العصر الفرعونى، أن يكون رئيس حكومة مصر مصرياً وطنياً (حتى فى إطار الخلافة العثمانية)، وأن تكون شرعية الحكم مستمدة من اختيار ورضا الشعب، وانتهت المحاولة بالفشل نتيجة الخيانة والتآمر وبالاحتلال البريطانى الذى كان حل الجيش المصرى أول قراراته بعد الاحتلال.
بمقتضى معاهدة 1936 استطاع الزعيم الوطنى مصطفى النحاس أن يحصل من سلطة الاحتلال البريطانى على السماح بقبول أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة فى الكلية الحربية، وفى 23 يوليو 1952 تقدم البكباشى (مقدم) جمال عبدالناصر -الذى كان من بين طلاب أول دفعة بالكلية بعد المعاهدة- على رأس تنظيم «الضباط الأحرار» الذى أسسه لتسلم السلطة، وأسس لشرعية جديدة استندت إلى تحقيق مطالب الأمة وطموحات الشعب، وعلى رأسها حلم تأميم قناة السويس، وأنهت ثورة يوليو حكم أسرة محمد على وأسست النظام الجمهورى وأعادت حكم مصر للمصريين للمرة الأولى من عصر الفراعنة بعد أكثر من ألفى عام حكم خلالها البلادَ أجانب.
فى عام 1923 تم وضع أول وثيقة دستورية فى تاريخ البلاد الحديث والمعاصر، كأول خطوة لبناء دولة مدنية وطنية حديثة برغم ما شابها من ملاحظات دعت زعيم الأمة وحزب الوفد سعد زغلول نفسه لوصف لجنة كتابة دستور 1923 بـ«لجنة الأشقياء».ولم يمنع هذا الدستور تزوير إرادة الأمة فى الانتخابات العامة ولا حل حكومات حزب الأغلبية (الوفد) ولا غلبة أحزاب الأقلية على التشكيلات الحكومية ولا انتهاك «البوليس السياسى» للحريات ولا مصادرة الصحف ولا شل حرية العمل النقابى والطلابى.
وفى عام 1958 تم وضع دستور جديد للبلاد، دستور الجمهورية العربية المتحدة (دولة الوحدة بين مصر وسوريا)، وقبله -على طريق تأسيس شرعية دستورية تحل محل الشرعية الثورية فى مصر، حيث تم قبلها حل مجلس قيادة الثورة- تم انتخاب جمال عبدالناصر رئيساً للجمهورية فى استفتاء، وفى 1964، بعد 3 سنوات من فض الوحدة، تم وضع دستور جديد للدولة المصرية. وجاء أنور السادات رئيساً للجمهورية فى أكتوبر 1970 بعد وفاة «عبدالناصر»، ودشن فى مايو 1971 انقلابه على الثورة ووضع دستوراً جديداً للبلاد.
وبينما كان «السادات» يفاخر بأنه هو الذى انتقل بمصر من مرحلة الشرعية الثورية إلى مرحلة الشرعية الدستورية، شهدت البلاد خلال فترة حكمه انفصالاً تاماً وكاملاً بين الدستور وسياساته، ففى الوقت الذى كان ينص فيه دستور 1971 على التوجه الاشتراكى كانت فيه سياساته تفكك القطاع العام وتعرض وحداته للبيع وتلغى الدعم تحت مظلة الانفتاح والخصخصة.
وعلى دستور 1971 جاء «مبارك» رئيساً للجمهورية عقب اغتيال «السادات» فى أكتوبر 1981 (بالإضافة إلى دوره فى حرب أكتوبر 1973 كشرعية مضافة). وعلى غرار سلفه وبعد تصريحات رفض فيها المساس بالدستور، ادعى «مبارك» الرغبة فى الإصلاح وتعديل الدستور ليكون «دستوراً عصرياً»، وتحت ضغط القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة التى تشكلت فى عصر الانفتاح والخصخصة، وتحت ضغوط زوجته ونجله الطامح لخلافة والده ووراثة حكم البلاد، افتتح التعديل عام 2005 بتعديل المادة (76) فقط، الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الحر المباشر من بين أكثر من مرشح، وتم تصميم المادة تصميماً فريداً غير مسبوق بشكل لا يسمح سوى لنجله «جمال» بالترشح والفوز بالرئاسة فى انتخابات تأخذ شكل الانتخابات لصعوبة تمرير «التوريث» بطريقة أخرى، وبصبغ التوريث بصبغة ديمقراطية شعبية دستورية، لتجاوز عقبة رفض الجيش للتوريث، ما ينفى ادعاءه بوجود رغبة صادقة لديه فى الإصلاح والتحديث ضمن سلسلة طويلة من ممارسات كان طبعها الخداع والمناورة والكذب. واستكمل النجل التعديلات فى 2007 بما يبعث برسالة إلى داعمى التوريث بالخارج مفادها أن رؤية الوريث الاقتصادية «نيو ليبرال» على أصولهم.
وعلى غرار محمد على فى معاهدة لندن 1840، حاول «مبارك» إبرام صفقة «دولية» تسمح بتوريث حكم مصر لنجله «جمال»، وعمل فريق نجله جاهداً للحصول على الدعم الأمريكى للمشروع، وحصل على دعم إسرائيل، مقابل استمرار سياسته فى انكفاء مصر وعزلها عن محيطها العربى والإسلامى، حتى أضاع النجل رصيد والده العسكرى المشرف.
بعد ثورة 25 يناير 2011 استطاعت جماعة الإخوان الإرهابية السطو على الثورة ثم على السلطة بدعم أمريكى - تركى - قطرى، وبممارسة الولايات المتحدة الأمريكية الضغوط على المجلس العسكرى، وبمساعدة مما يسمى بـ«قوى الثورة»، ما مكن الجماعة فى 2012 من أن تفرض على البلاد بليل، من خلال لجنتها لوضع دستور جديد للبلاد، دستوراً إخوانياً بطريقة «السرقة بالإكراه».
يتوجه الناخبون يومى 14 و15 يناير الجارى (2014) إلى صناديق الاقتراع فى استفتاء على مشروع دستور ثورة 30 يونيو 2013، الذى صاغته «لجنة الخمسين»، وهو مشروع صيغ فى ظروف لا تساعد فى تحقيق كل ما نتمناه، لكنه يشكل مشروع وثيقة متقدمة جديرة بـ«نعم» قياساً على تجاربنا التاريخية.