مواطن مصرى جديد لعام 2050!

تلقيت، الأسبوع الماضى، دعوة كريمة من ممثل الأمم المتحدة بالقاهرة للمشاركة، ضمن نخبة مختارة من الخبراء المصريين، تمثل معظم التخصصات العلمية، لإجراء حوار على مدى يومين حول مائدة مستديرة بمكتبة الإسكندرية، وموضوعها «مصر فى 2050» ماذا سوف يكون شكل الحياة بها اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً؟

استهل صاحب الدعوة حوارنا بالإشارة إلى مبرراتها، بأن العالم يقفز بخطوات متسارعة من ثورة صناعية، كان وقودها الماء لميكنة الحياة بالبخار، إلى ثورة ثانية كان وقودها الكهرباء لزيادة رفاهية الحياة، ومنها إلى برمجة الحياة ذاتها إلكترونياً ومعلوماتياً بالثورة الصناعية الثالثة، والتى تنمو وتتطور يومياً إلى ما نعيشه حالياً من ملامح الثورة الصناعية الرابعة (IR4) بآفاق تفوق قدرات العقل البشرى الذى ابتكرها وأبدعها، كالذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا الحيوية والنانوتكنولوجى والطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من أسلحة الثورة الصناعية الرابعة التى سوف تدار بها السيارات والطائرات ذاتياً وإلكترونياً بطاقتَى الشمس والرياح، ويستبدل التنقيب عن البترول بالتنقيب عن الجينات فى الخلية الحية والماء فى باطن الأرض، وتستبدل الزراعة الأفقية بأخرى رأسية داخل غرف تحاكى الطبيعة إلكترونياً، ويحل الإنسان الآلى محل البشر فى مهن الطب والصناعة وغيرها، بالتكنولوجيات التى سوف تختزل المسافات والأزمنة، بينما سوف تباعد الفجوات التكنولوجية بين دول الشمال الغنى والجنوب الفقير وبين رفاهية الأغنياء وهموم الفقراء.

بدأنا الحوار بالاتفاق على أننا لا نملك فى مصر رفاهية الوقت لمواكبة سرعة العصر فى ثوراته التكنولوجية وتغيراته المناخية والبيولوجية والعمل فوراً على صناعة مواطن مصرى جديد صالح للحياة فى 2050. كيف؟

سيناريو واقعنا الحالى يشير إلى زيادة سكانية سنوية مقدارها 2.5%، أى يُتوقع أن يكون عدد سكان المحروسة آنذاك هو 175 مليون نسمة! وبافتراض ثبات حصتنا من نهر النيل وإعادة تدوير المياه وحصاد مياه الأمطار والسحب الآمن من المياه الجوفية وتوطين تكنولوجيا تحلية المياه، فإن نصيب الفرد من المياه سوف يهبط من حدود الفقر الحالى (500 متر مكعب سنوياً) إلى أقل من المائة، أى الشح المدقع، تحت وطأة تغيرات مناخية محتملة. أما نصيب المواطن من الأرض الزراعية فسوف يقاس بالمتر بدلاً من الفدان!! فى ظل التعديات على الأرض الزراعية بالدلتا ومحدودية المياه لاستصلاح الأراضى وهجرة الفلاحين لأعمال هامشية أكثر عائداً من الحرفة التى ابتكرها أجدادهم منذ عشرة آلاف سنة!

وهو ما يستلزم رفع معدل النمو الاقتصادى الحالى من 5 إلى 8%، على الأقل، سنوياً بثورة حقيقية فى اقتصادنا تنقله من حالة الاستقرار الاستاتيكى الحالى بعد تعويم الجنيه، إلى ديناميكية تطوير الهياكل والسياسات، لتوفير المناخ الملائم لمواكبة تكنولوجيا العصر بالقطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والخدمات كالصحة والتعليم وغيرها، بمشاركة فاعلة للقطاعين الخاص والتعاونى القادرين على رفع أعباء كثيرة عن الحكومة لو هيأت لهما مناخ الاستثمار بالسياسات الحافزة ومكافحة الفساد حتى يتمكنا من مشاركة الحكومة فى رفع معدل التنمية إلى 8% لتفادى التوابع الكارثية لعدم مواكبة معدلات التنمية للزيادة السكانية من زيادة أعداد الفقراء وتآكل الطبقة الوسطى.

من هنا كان اهتمامنا بنوعية المواطن القادر على استيعاب تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة لتأهيل مصر لعالم 2050، فهو بالتأكيد ليس «مواطن اليوم» الذى يحظى بأدنى نصيب فى مؤشر الرأسمال البشرى (0.49) طبقاً لتقرير البنك الدولى لعام 2018، وهو مؤشر (HCI) يعبر عن انخفاض مستوى خدمات الصحة والتعليم المقدمة للمواطن بشكل لا يؤهله بدنياً أو ذهنياً لمواكبة تحديات الثلاثين عاماً المقبلة!. ولذا طالبنا برفع قيمة المؤشر الحالى للرأسمال البشرى كشرط أساسى لتحقيق السيناريو المتفائل لمصر 2050، وبدونه تسقط كل الافتراضات القائمة عليه.

أود الإشارة هنا إلى إمكانية تحسن المؤشر لو التزمت الدولة بتفعيل ما ورد بالدستور من التزامات بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى للصحة، و4% للتعليم العام، و2% للجامعى، و1% للبحث العلمى. قد يكون إجمالى تلك المخصصات (10%) فوق طاقه الدولة المالية للوفاء بها، ومن هنا قامت رؤيتنا المتفائلة لمصر 2050 على سياسات عاجلة حافزة للقطاعين الخاص والتعاونى لتنمية قطاعَى الصحة والتعليم. كما اشترطنا وقف الإهدار الحالى لأموال المصريين فى الاستثمار العقارى الذى تجاوز احتياجات السوق بشكل بات يهدد بانهياره، وتوجيه تلك الأموال بسياسات جاذبة للاستثمار الزراعى والصناعى والطاقة الجديدة والمتجددة، وغيرها من التكنولوجيات القادرة على تحقيق التوازن بين الزيادة السكانية ومحدودية الموارد المتاحة لمواجهتها.

حاولت إيجاز حوار يومين فى سطور قليلة، ولكن الأمر يستلزم حواراً مجتمعياً عن كيفية صناعة مواطن جديد مؤهل صحياً وبدنياً وتكنولوجياً لاستثمار ثروات مصر الطبيعية من طاقتَى الشمس والرياح والجينات النباتية وغيرها من ثروات العصر المقبل بتحويلها لقدرات تنافسية بدلاً من لغو الحوار الدائر حول جدوى تطوير التعليم والارتقاء بالصحة!