جامعات المستقبل.. الجامعات التكنولوجية

يناقش البرلمان حالياً مشروع قانون إنشاء الجامعات التكنولوجية، الذى يأتى فى إطار سعى الدولة لتطوير منظومة التعليم العالى، من خلال استحداث مسار جديد متكامل للتعليم والتدريب التطبيقى والتكنولوجى مواز لمسار التعليم الأكاديمى، وبحيث يحصل خريجوه على درجات جامعية فى مراحل الدبلوم فوق المتوسط، والبكالوريوس والدراسات العليا. والجامعات التكنولوجية -طبقاً للتعريف الوارد فى المادة الأولى من مشروع القانون- هى «مؤسسات تعليمية تنتهج أسلوب التعليم والتدريب للطلاب فى مختلف التخصصات التى يحتاجها سوق العمل، وفق أفضل الممارسات من الناحيتين الأكاديمية والعلمية، مع التركيز على بناء وتطوير المهارات الفنية اللازمة لإلحاق الخريج بسوق العمل مباشرة»، وهذا التعريف لا يصلح لتحديد المقصود بالجامعات التكنولوجية على نحو دقيق، وتمييزها عن غيرها، وإنما ينطبق على الجامعات والمؤسسات التعليمية بوجه عام، ويبدو أن المقصود بالجامعات التكنولوجية هى المؤسسات التعليمية التطبيقية التى تعنى بتأهيل الأشخاص الذين يطبقون التكنولوجيا فى مهنتهم.

ويحدد مشروع القانون أهداف الجامعات التكنولوجية، مؤكداً أنها ترمى إلى القيام على تطبيق واستغلال التكنولوجيا لما فيه صالح المجتمع، وتأهيل الخريجين من التعليم الثانوى العام والفنى لتلبية احتياجات سوق العمل من الموارد البشرية التقنية والتكنولوجية اللازمة لمتطلبات خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، وتهدف الجامعات التكنولوجية أيضاً إلى توفير تعليم تكنولوجى يقدم خدمات تعليمية وتدريبية متكاملة ذات جودة مناظرة لنظم الجودة العالمية، وبما يسمح بتكوين خريج قادر على المنافسة فى أسواق العمل المحلية والإقليمية والعالمية، كذلك، تسعى الجامعات التكنولوجية إلى إعداد تكنولوجيين تتوافر لديهم القدرة على الاستمرار فى التعلم والتحول المرن بين التخصصات الفرعية بالإضافة إلى إمكانية الالتحاق بسوق العمل والعودة إلى الدراسة بعد تلقى التدريب والممارسة العلمية المناسبة. ويبدو أن هذا المشروع يستلهم التجربة الألمانية وتجربة الدول الإسكندنافية فى التعليم الفنى، متمثلة فى إنشاء جامعات تطبيقية تعتمد على الدراسة العملية التدريبية، الأمر الذى يشكل عنصر التمييز بينها وبين الجامعات البحثية التى تعنى بالدراسة النظرية والبحث العلمى، حيث يبلغ عدد الجامعات التطبيقية فى ألمانيا 216 جامعة مقارنة بعدد 107 جامعات بحثية فقط، ويعتمد نظام الدراسة فى الجامعات التطبيقية على قضاء الطالب ساعات تدريبية طويلة داخل المصانع، للعمل بيديه، لاكتساب الخبرات المهارية اللازمة، وذلك طوال سنوات دراسته، ويمكن القول إن الجامعات التطبيقية هى التطبيق الحديث لفكرة التعليم الفنى التى عرفتها مصر منذ عهد بعيد من خلال إنشاء المدارس الثانوية الصناعية، ولكنها فشلت بسبب النظرة الاجتماعية السلبية تجاه خريجيها منظوراً إليهم باعتبارهم أقل فى المستوى الاجتماعى من طلاب الثانوية العامة المؤهلين للالتحاق بالتعليم العالى أو الجامعى، ويبدو أن مشروع القانون يستهدف تحسين الصورة المجتمعية للتعليم الفنى من خلال استحداث الجامعات التكنولوجية التى تعتبر مؤسسات تعليم عال تمنح درجة البكالوريوس، وليست مؤسسات تعليم فنى أو مدرسة متوسطة أو معهداً، بل إن هذه الجامعات تتيح بدورها إمكانية الدراسات العليا من خلال درجة الماجستير المهنى ودرجة الدكتوراه المهنية.

وفى الختام، المأمول هو أن تسهم فكرة الجامعات التكنولوجية أو التطبيقية فى محو الصورة الذهنية السلبية الشائعة فى بلادنا عن التعليم الفنى، وحتى يخرج مشروع القانون على الوجه الأمثل، ربما يكون من المناسب أن نلفت نظر مجلس النواب إلى القانون النمساوى الصادر عام 1993م بشأن جامعة دراسات العلوم التطبيقية، والقانون الفنلندى رقم 932 لسنة 2014 بشأن جامعات العلوم التطبيقية. والله من وراء القصد.