نخبة الندب والعويل

منذ تنحى الرئيس المخلوع والنخبة المدنية تفعل كل شىء إلا ما ينبغى أن تعمله من نزول للشارع واحتكاك بالجماهير وتحقيق الانتشار الشعبى وبناء القواعد والكوادر، ضربات متتالية وصفعات قاسية على مدار عامين ولكنها لم تكن كافية لتستفيق هذه النخبة. حالة النرجسية العجيبة التى لازمت كل أطيافها والإحساس بتضخم الذات الذى كان سببا فى انهيار كل مشاريع الاندماجات الحزبية والتحالفات الانتخابية، وبعد النتيجة القاسية فى انتخابات البرلمان ومن بعدها انتخابات الرئاسة ظن البعض أن الجميع سيستوعب الدرس ويدرك أن من المحال الاستمرار بهذا الضعف والتمزق أمام كيانات منظمة تلتهم الأفق السياسى وتسعى لإحكام سيطرتها على كل شىء، ولكن يبدو أن هذه النخبة المتهالكة لم تستشعر الخطر برغم كل ما حدث. ما بين ثلاثة فرق بائسة تجلت هذه النخبة؛ الفريق الأول يجيد الندب والعويل وأحيانا الشتم ولكنه لا يفعل شيئا وإنما يعتقد أنه بشتمه للإخوان واتهامهم وتجريسهم قد أدى ما عليه وأراح ضميره، دون أن يفكر فى عمل حقيقى على الأرض وسط الناس تتزن معه أطراف المعادلة. أما الفريق الثانى فهو أشد بؤسا إذ ظن يراهن على العسكر فى إزاحة الإخوان من المشهد وذهب فى ذلك لحدود صادمة، ومنهم من طالب العسكر بالانقلاب على الإخوان، ولكن رهان هؤلاء قد خاب وفشل وأصبحوا وجها لوجه أمام الإخوان بلا أب ولا أم يلتجؤون إليهما. أما الفريق الثالث فهم الافتراضيون الذين انعزلوا عن الواقع وصنعوا لأنفسهم عالما خاصا على الفيس بوك والتويتر يشعلون فيهما معاركا وهمية يتبارزون فيها بأحط الألفاظ ويستدعون كل مفردات السب والتخوين والتنظير المشوه الذى لا يستند إلى منطق ولا عقل، وارتضوا بذلك وحدث لهم إشباع نفسى أغناهم عن أن يكونوا لاعبين فى الأحداث أو مؤثرين فيها وتحولوا فقط إلى ألسنة حادة تنال من الناس وتستمتع بهذا العالم الوهمى الذى تدور معاركهم فيه. تعثرت الثورة تعثرات بالغة لأسباب مختلفة ولكن هذه النخبة المغيبة لم تعترف أن أداءها وسوء صنيعها هو أحد أهم أسباب انتكاس الثورة ووصولنا لما نحن فيه الآن، رغم أخطاء خصمها السياسى المتكررة وتراجع شعبيته خلال العام الماضى فإنها لم تستطع الاستفادة من ذلك وتقديم نفسها كبديل قوى يتمدد فى مساحات الفراغ والانحسار المقابلة. دكاكين العمل الحزبى ما زالت تمارس هوايتها فى الصراعات الداخلية والأمراض النفسية، وحتى الكيانات الجديدة التى أعلن عن تأسيسها انتقلت إليها نفس الأمراض وسلكت نفس المسلك وأصرت على تكرار أخطاء من سبقوها وعدم الاستفادة من تجاربهم التى أخفقوا فيها، لينطبق عليها قول أينشتاين: «إن من الحماقة أن تمارس نفس الفعل بنفس الطريقة وتنتظر نتائج مختلفة»! شهور قليلة تفصلنا عن انتخابات البرلمان والانتخابات المحلية ونخبتنا ما زالت تترنح وتتحرك ببطء شديد وكأن الأمر لا يعنيها، خطورة الانتخابات المقبلة أنها ستحدد مستقبل مصر لسنوات كثيرة قادمة، وإذا لم يحدث الاتزان فى التركيبة السياسية الجديدة فهناك خطر حقيقى على مستقبل هذا الوطن. أتمنى أن يستشعر الجميع خطر ما نحن فيه وما نحن مقبلون عليه، الفرصة الأخيرة بين يدينا الآن وإذا لم نصلح أخطاء الماضى ونخرج من غيبوبة الحاضر فلا نبكى بعدها لا على الثورة ولا على الوطن.