الفرقة الناجية
تعلمنا أن الدين المعاملة، وتعلمنا أن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وتعلمنا أن لا فضل عربي عن عجمي إلا بالتقوى، وتعلمنا أن "أكرمكم عند الله اتقاكم"، وتعلمنا من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل" ⁃ ثم فوجئنا بأناس يدعون لنفسهم العصمة والقداسة ويمنحون لأنفسهم حقا لإطلاق الأحكام بكفر هذا واستحلال دم ذلك إيهاما منهم بأنهم هم الفرقة الناجية التي تناولها حديث ضعيف بتفرق الأمة على بضع وسبعون فرقة إلا واحدة، واختلف رواة الحديث استكمالا له، فبعضهم يستكمله بأنها كلها في النار إلا واحدة.. أما في دحض سند الحديث وصحته فهو من واجبات ومهام الفقهاء والمتخصصين في علم الحديث وهم لها بإذن الله؛ والعجيب أن هؤلاء لا يختلفون فيما ذهبوا إليه عن ما كان عليه الأوربيون أبان عصور الظلام ولم يرفع هذا الظلام إلا بالتنوير والعلم.
ولكن ما كان هذا الحديث إلا وسيلة أصحاب الهوى والأغراض لإطلاق الأحكام والصفات على غيرهم دون وازع من ضمير وما انفك أن يصبح صك الغفران للمغررين من أتباعهم والمؤتمرين لهم لينفذوا أوامرهم بسفك دماء أبرياء بدعوى تنفيذ شرع الله والشرع منهم براء؛ فمن سمح لنفسة المريضة بأن يستهدف الآمنين في بيوت الله مصلين ومتضرعين إليه سواء بمسجد الروضة أو دير الأنبا صموئيل وغيرها من الأحداث والحوادث الكثير - اعتقادا منه بأنه من الفرقة الناجية واتخذ لنفسه مكانة تسمح له بحساب غيره ولا نحسب ذلك إلا ممن سعى وعمل على لي عنق الحقيقة واستخدامها لمصالحه الخاصة والدين منه براء.
ومن هنا جاءت دعوات السيد رئيس الجمهورية - العديد منها صراحة وبعضها تلميحا - لتجديد الخطاب الديني - استشعارا مِن سيادته لجسامة الموقف واستمراء الأشرار لتفسيرات مغلوطة لصحيح الدين لترويع الآمنين واستهداف الأبرياء لتحقيق أهداف دنيوية متخذين من الدين رداء يداري سؤاتهم ونواياهم الخبيثة.
فتجديد الخطاب الديني بات واجب قومي ينبغي أن يتخذه الأزهر الجامعة والجامع منارة الإسلام في العالم هدفا استراتيجيا له يعمل على حث مفكرية وعلمائه على إثراء المكتبة الإسلامية بإنتاجهم العلمي الرصين، متخذين من نهج المجددين الأوائل دليلا ومرجعا ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر (ابن رشد، الإمام محمد عبدة، الإمام جمال الدين الأفغاني، الشيخ علي عبدالرازق).
فالتجديد لم يعني عند هؤلاء المجتهدين هدم ثوابت الدين أو إنكارا السنة المطهرة أو دعوة لإغفالها وإنما عني لديهم إعمال العقل والاجتهاد في التفاسير المختلفة لها، والتي من اجتهاد بشر آخرين قد يصيبوا وقد يخطأوا ورحم الله الإمام الشافعي حين قال (رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).
ولم يفهم من دعوات السيد رئيس الجمهورية لتجديد الخطاب الديني إلى إنكار السنة على عكس ما ألمح إليه - البعض - فهي المصدر الثاني من مصادر الشريعة الغراء، وإنما المقصود هو رفع القداسة والعصمة عن أفراد وجماعات ترفع راية الإسلام زورا وبهتانا ليشيعوا الاٍرهاب والإجرام ويأتون من الأفعال ما يندي به الجبين.
خلاصة القول أن تجديد الخطاب الديني أضحى وأصبح ضرورة لا مفر منها ولكن للتجديد أصولا ومنها حسن الاختيار الجيد للدعاة والإعداد الجيد لهم وتسليحهم بالعلم والمعرفة ليصبح هؤلاء جامعة من العلوم، ومراجعة دقيقة للمناهج التربية الدينية بالمدارس والمعاهد الدينية مع التأكيد على وضع مقاييس ومعايير منضبطة علميا على القائمين عليها من المدرسين؛ ليتسنى لهم مواجهة الأفكار الضالة والأراء المغلوطة؛ وإيصال رسالة الأديان السمحة للأجيال الجديدة والتصدي الإيجابي لمحاولات الفئات الضالة لاستمالتهم.
كما أن الصبر والمثابرة والضغط المستمر من المثقفين ضرورة ملحة لإنجاح هذا الجهد الطويل الشاق لإلزام القائمين على التجديد بالمضي قدما دون إبطاء أو تبطئ. والله من وراء القصد والغرض. ⁃ تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر.