جمال طه جمال طه متابعة واجبة لصراعات غاز المتوسط «8»
10:00 م | الخميس 10 يناير 2019

«نتنياهو» استضاف رئيس الوزراء اليونانى «تسيبراس»، ورئيس جمهورية قبرص «أناستاسيادس»، فى بئر السبع، جنوب إسرائيل، 20 ديسمبر الماضى.. وهى القمة الخامسة التى تجمعهم منذ تأسيس «الهيئة الثلاثية لتعزيز المصالح المشتركة» 2016، أكدوا فى نهايتها أن اتفاق مد خط غاز «إيست ميد» لأوروبا، قد أصبح جاهزاً للتوقيع فى «أثينا» خلال الربع الأول من العام الحالى.

طارق الملا، وزير البترول، ترأس اجتماع اللجنة المعنية بتحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة أول يناير الحالى، حيث دعت لدراسة مقترح تنفيذ مشروع إنشاء ميناء لتموين السفن بالغاز المسال.. اقتراح جيد، نظراً لزيادة نسبة استخدام الغاز كوقود نظيف لتموين السفن، بعدما طالبت المنظمة البحرية الدولية بتخفيض مكون الكبريت الموجود بالوقود المستخدم حالياً، وعدم وجود موانئ مماثلة بالبحر المتوسط، لكن هذا المشروع يدخل بالفعل ضمن مشاريع محور قناة السويس، ووقع الفريق مهاب مميش مذكرة التفاهم الخاصة به، خلال مؤتمر «سيبكون» لتموين السفن بسنغافورة أكتوبر الماضى، وبالتالى لا يضيف جديداً.. ثم إنه مشروع خدمى، يفتقد الطابع الاستراتيجى، ولا يتناسب والتطلع للمركز الإقليمى للطاقة، ولا يرقى لطموحات المشاريع المناظرة، التى تهدف لاقتحام السوق الأوروبية، أكبر مستهلك للغاز فى العالم، بخط غاز ثابت.

المشاريع الاستراتيجية المشتركة تنطلق من رؤية وتتطلب التخطيط.. تأسيس إسرائيل لـ«الهيئة الثلاثية لتعزيز المصالح المشتركة» مع اليونان وقبرص 2016، أثمر تغييراً لموقف «تسيبراس»، من الدعوة لطرد السفير الإسرائيلى، والمطالبة بحظر شحن الأسلحة الأمريكية لإسرائيل عبر الموانئ اليونانية، إبان تزعمه لحزب سيريزا، قبل توليه رئاسة الوزراء 2015، إلى داعم للتحالف الاستراتيجى معها.. اليونان اشترت حقلى غاز «كاريش، وتنين» الإسرائيليين.. وشركتاها «ديبا للغاز، وآى جى آى بوسيدون» كُلِفَتا بمسئولية التطوير والترويج لخط «إيست ميد».. وشركة «يوروأفريكا إنتركونيكتور» القبرصية كُلِفَت بمشروع الربط الكهربائى بين إسرائيل وأوروبا.. لذلك حصلت إسرائيل على تسهيلات لطيرانها بالمطارات القبرصية، ولبحريتها فى موانيها، حماية لحقول غاز شرق المتوسط.. وهناك توجه لنشر منظومة «مقلاع داود» للدفاع الجوى والصاروخى الإسرائيلية على منصات الإنتاج.. المناورات المنتظمة بين جيوش الدول الثلاث مكنت سلاح الجو الإسرائيلى من التدريب على مواجهة منظومة الدفاع الجوى والصاروخى S-300 الروسية التى اشترتها قبرص، ونشرتها بجزيرة كريت اليونانية.

مصر أمامها فرصة لسرعة تفعيل دور «منتدى غاز شرق المتوسط»، الذى اتفق خلال قمة كريت، التى جمعت مصر واليونان وقبرص، على تأسيسه بالقاهرة، لجمع الدول المنتجة والمستوردة ودول عبور غاز المنطقة، وتنسيق السياسات المتعلقة باستغلاله، الهدف الرئيسى الذى ينبغى أن نعمل عليه هو التوصل إلى توافق بين الأعضاء على دمج مذكرة التفاهم التى وقعتها إسرائيل «29 نوفمبر» مع قبرص واليونان وإيطاليا لإنشاء خط «إيست ميد» بمشاركة الاتحاد الأوروبى، مع مشروع الاتفاق المبدئى الذى وقعته مصر «فبراير 2018» مع نفس الأطراف، برعاية الاتحاد الأوروبى أيضاً، لمد نفس الخط.. والتأكيد على سيادة مبدأ «التعاون لا التنافس»، وعدم ازدواجية المشاريع.. هذا الاتفاق يكتسب أهميته من تعرض كل حقول الغاز بمنطقة شرق المتوسط لتهديدات عسكرية تركية، بعد رفض «أنقرة» الاعتراف باتفاقيات ترسيم الحدود البحرية، التى وقعتها دول المنطقة، للاستفادة من ثرواتها الكامنة.. التعاون المشترك إذاً أمر حتمى، لا لاعتبارات اقتصادية، وإنما لضرورات أمنية، ويمتد ذلك بالضرورة إلى التعاون ودمج مشاريع الطاقة الكهربائية، لأنها تشهد ازدواجية مماثلة.

الإجراء التالى والمهم الواجب تنفيذه هو رفع الطاقة الإنتاجية لمعامل الإسالة، وزيادة عدد منصات الشحن، لمضاعفة قدرة مصر كمركز للتصدير.. تصميم محطة الإسالة بدمياط يسمح برفع طاقتها من خط واحد إلى ثلاثة، دون حاجة إلى تنكات إضافية، ومحطة إدكو تقبل إضافة 4 خطوط، وهذه التوسعات يمكن إتمامها تدريجياً.. الطاقة القصوى الحالية للمحطتين 14 مليار متر3/عام، والتوسعات تضيف 24 ملياراً، وذلك مقابل طاقة تقديرية لخط «إيست ميد» لا تتجاوز 12 ملياراً، ما يعنى أن وجود مصر ضمن شبكة التوزيع يسمح بالمرونة، إما الشحن البحرى لكميات تفوق طاقة الخط، أو ضخ الغاز المسال عبره.. عندما تتساوى قدرة التصدير بالناقلات مع طاقة التصدير عبر الخط أو تزيد، فإن الخط يفقد مبرراته الاقتصادية، لأن ضخامة تكلفته التى قد تبلغ 10 مليارات دولار، قياساً على ضآلة الكمية التى سوف ينقلها، ربما تجعل استكماله رهناً بالاعتبارات السياسية، المتعلقة بتقليل اعتماد الاتحاد الأوروبى على الغاز الروسى، واستبداله بحصة منتظمة من غاز شرق المتوسط.

«موسكو» تصدر قرابة 160 مليار متر3 من الغاز الطبيعى إلى أوروبا فى العام، تلبى 40% من احتياجاتها، عائداتها تمثل قرابة 37% من إيرادات الميزانية الروسية، لذلك فهى حريصة على منع دخول أى مصدر كبير ومنتظم للغاز، على غرار خط «إيست ميد» إلى أوروبا، خاصة أن «السيل التركى» يدخل الخدمة 2019، ويتكون من خطين أحدهما لتركيا، والآخر لشرق وجنوب أوروبا، طاقتهما الإجمالية 31.5 مليار متر3 سنوياً، ما يمكنها من اتباع سياسة إغراق، وخفض الأسعار بصورة تتجاوز السعر المتدنى الذى تبيع به حالياً «4.5 دولار للمليون وحدة حرارية»، بحيث تنعدم الجدوى الاقتصادية لـ«إيست ميد»، وهذا الاحتمال ينبغى أن يتحسب له الجميع.. ولكن من حسن الحظ أن البدائل متاحة، أهمها الناقلات.. وثلاثة أرباع استهلاك الأردن، حيث يغطى اتفاقه مع إسرائيل ربع استهلاكه فقط.. كما أن السعودية سوق واعدة، لاهتمامها باستبدال النفط بالغاز الطبيعى كوقود نظيف.. الخط العربى، الذى يضخ الغاز المصرى للأردن مروراً بالعقبة، يعبر قرب الحدود السعودية، ما ييسر مده برياً إلى داخل المملكة، وبتكلفة محدودة.

إسرائيل ينبغى أن تُغلب مبدأ التعاون على التطلع للمركز الرئيسى لتصدير الغاز بالمنطقة.. وقبرص واليونان وإيطاليا مطالبة بالتعامل مع الإشكاليات المتعلقة بغاز شرق المتوسط من خلال رؤية موحدة، تتجنب ازدواجية التعامل.. والاتحاد الأوروبى عليه مراجعة دراسات الجدوى على ضوء السياسات السعرية المحتملة للمنافسين.. أما مصر فعليها أن تلتزم بالتحرك ضمن منظومة العمل الجماعى لأعضاء «منتدى غاز شرق المتوسط»، سواء اتفقوا على تنفيذ خط «إيست ميد» بكل مخاطره ومحاذيره، أو اضطروا للاستعانة بالبدائل الأخرى المتاحة، لمواجهة أى تحديات أو تغيرات طارئة.

وزير البترول الهُمام، هل وصلت الرسالة؟!.

تعليقات الفيس بوك

عاجل