«الوطن» فى «كوكب اليابان».. نظام صارم وابتسامات عفوية

كتب: هدى رشوان

«الوطن» فى «كوكب اليابان».. نظام صارم وابتسامات عفوية

«الوطن» فى «كوكب اليابان».. نظام صارم وابتسامات عفوية

لكل دولة عاداتها وتقاليدها الغريبة عن غيرها.. هذا قول ينطبق فى أغلب الأحيان على كل الدول، لكن الغرابة تتضاعف إن كان الكلام عن اليابان.. تقاليد كاسرة لكل خيال حتى بلغ أمر غرابتها إلى تسميتها باسم مختلف يوازى تفرّدها كأنها من خارج الأرض.. إنه كوكب اليابان العجيب. من أكثر الدول التى تمتلك عادات غير تقليدية مثيرة للاهتمام، فمجرد أن تخطو بقدميك مطار اليابان تشعر كأنك فى عالم آخر، الجميع يعمل على راحتك، الاحترام هنا يفوق الخيال، توزع عليك التحيات بانحناءة لطيفة فى كل خطوة، والابتسامات هنا عفوية على وجوه البشر.. هناك من يحمل عنك حقائبك دون انتظار لـ«بقشيش».. هنا موطن النظام والنظافة.. مراحيض اليابان لن تراها ولا فى أفخم فنادق الدنيا، ليس فقط لتطورها وما تنعم به من رفاهية وراحة، بل بترشيدها الذكى لاستهلاك المياه والصابون، لأنها مزودة بنظافة استشعار: تضع يديك تحته فتنزل إليك المياه كالسحر. وعن أخلاق اليابانيين فحدث ولا حرج، يتعاونون معك فى كل شىء ويقدمون لك النصيحة بأمانة وتجرد، اطمئن لا أحد هنا يفكر فى استغلالك، يكفى أن تعرف أن نسبة السرقة فى اليابان «صفر»، فقد تترك حقيبتك فى مكان ما وتنساها لأيام، لكنك إن عدت ستجدها فى انتظارك دون أن يمسها بشر.. «الوطن» قضت جولة قصيرة فى كوكب اليابان.. زارت نموذجاً مدرسياً بمحافظة طوكيو، ومتحف السلام بمدينة هيروشيما، تلك المدينة التى طالتها نكبة القنبلة الذرية فى عام 1945، وهناك استمعنا إلى حكاية إحدى الناجيات من الكارثة فى هيروشيما، ووقفنا أيضاً على استعدادات اليابانيين لأولمبياد 2020، والتقينا السفير المصرى باليابان.

آخر ناجية من قنبلة هيروشيما تحكى معاناة «الانفجار العظيم»: نزلت علينا كالصاعقة.. وهربنا جميعاً إلى النهر

فى البهو الرئيسى لمتحف السلام بهيروشيما تدون الساعة الرئيسية بالساعات والدقائق والثوانى كم ساعة مرت على انفجار القنبلة الذرية، ففى يوم الاثنين، السادس من أغسطس عام 1945، وبينما كان الجميع يتأهب للعمل وبالتحديد فى الساعة الثامنة والربع صباحاً، حدث صوت انفجار ضخم ونتج عنه شعاع شديد فى السماء يخطف الأنظار، كان تلك أول قنبلة ذرية فى التاريخ يتم إلقاؤها فى مدينة هيروشيما باليابان.

حالة من الهلع والرعب عاشها السكان فى ذلك الوقت، دونتها الصور على حائط المعرض، كما نقلتها لنا ياسكو كوندو، إحدى الناجيات من قنبلة هيروشيما، التى التقتها «الوطن» فى أثناء زيارتها للمتحف.

«القنبلة سقطت بالضبط فوق مكان يدعى شيمابيو، أو مستشفى شيما على بعد 600 متر، كانت درجة حرارة الأرض ما بين 3000 إلى 4000 درجة».. قالت «كوندو»، موضحة أنه كان انفجاراً شديداً يشبه العاصفة، وصلت موجة الانفجار فيه نحو 440 متراً، لافتة إلى أن أحد شهود العيان وقتها ذكر أن الأشخاص قد تطايرت فى مدى 10 أمتار بسبب قوة الانفجار.

كانت «كوندو» تعيش على بعد 800 متر من مكان انفجار القنبلة، لكن اضطرت للانتقال إلى مكان آخر على بعد 3.5 كيلومتر منه: «خرجت أمى فى الصباح الباكر لمساعدة سكان المكان فى العمل، بينما كنت ألعب مع الفتيات الأخريات، وفى الساعة الثامنة والربع صباحاً سمعنا صوت الانفجار، وأسرعنا جميعاً إلى حافة النهر».

{long_qoute_1}

فى يوم السادس من أغسطس خرج الجميع من المكان الذى يبعد 3.5 كيلومتر إلى مكان الانفجار للمشاركة فى أعمال الإخلاء وعادوا بعد ذلك، لكن كانت مفاجأة كبيرة لى، عاد الجميع وقد التهبت جلودهم من الحروق، ووجوههم قد تلونت بلون الرماد: «لا تستطيع الكلمات التعبير عن حالتهم التى كانوا عليها عندما عادوا إلينا».

فى صباح اليوم التالى خرجت أسرة «كوندو» إلى مكان كانت تسكنه قبل القنبلة على بعد نحو كيلو ونصف من الانفجار للبحث عن جدتها، وكان الدخان يتصاعد من كل مكان، واستمر كذلك حتى بعد مرور ثلاثة أيام، وكان المكان كله خرباً فيما عدا مبنى واحداً فقط، كان ما زال قائماً وسط الحطام، هو مكان قبة القنبلة النووية أو مكان نصب السلام بهيروشيما الحالى.

فى ذلك الوقت لم تكن «كوندو» ترتدى حذاء: «كنت أرتدى جيتا»، يشبه القبقاب، وكان من الصعب السير به على الأنقاض والحطام: «فى بعض الأحيان كنت أدوس به على الجثث المتفحمة بين الأنقاض دون أن أدرى، وكنت أشعر بالذنب، لأن قدمى تغوصان فى دماء الضحايا من الجيران والإخوة».

فى النهاية وصلت «كوندو» إلى منزلها، كان متفحماً عن آخره، وصلت بعد ثلاثة أيام من البحث والسير على الأنقاض.. سعادة غامرة بلغتها عندما وجدت نبات «الحرنكش» فى وسط الحطام، حكى الكثير من المصابين عن فرحتهم برؤية زهور «مجد الصباح» بين الحطام.. فى هذه الليلة باتت وأسرتها فى الخلاء وسط أحجار المقابر التى بقيت، ولم تبال بالجثث والرماد والدمار من حولها.. كان كل همها أن تنام بعد هذا العناء الشديد، فى اليوم التالى خرجت للبحث عن جدتها لوالدها، كان مكان سكنها متفحماً تماماً، لكن وصلت لها معلومات أن جدتها موجودة فى مكان يسمى «ايتاجيما»، فعبروا النهر بمركب صغير بحثاً عنها: «وجدنا الجميع هناك يعانى من الحروق وكان هناك نقص شديد فى الأدوية والإمدادات لذلك كانوا يستعيضون عن أدوية الحروق بوضع الخيار على المواضع المحروقة».

{long_qoute_2}

«أمضيت هناك يومين أو ثلاثة».. تتذكر نفسها وهى تساعد فى تقطيع الخيار ووضعه على حروق المصابين، كان الجميع مصاباً بالإشعاع ويعانى من الحمى والإسهال الشديد، حتى هى: «عانيت من الحمى والإسهال الذى استمر لمدة شهر».

واصلت «كوندو» الحياة على هذا النمط حتى بعد انتهاء الحرب، كانت المعيشة والحياة قاسية للغاية، فالأكل الوحيد المتوافر هو البطاطا والملح، حيث كان جدها يجمع ماء البحر ويقوم بغليه حتى يتبخر ويصنع الملح ونأكله، تؤكد أنها ما زالت على قيد الحياة حتى الآن بفضل مساعدة المحيطين بها: «لولا وقوفهم إلى جانبى ما كنت عشت».

«فى السنة الثالثة الابتدائية استطعت العودة إلى مدرسة فى هيروشيما، لم يكن هناك مبنى ولكن كانت المدرسة تحت السماء الزرقاء، وكنا نفترش الأرض»، هكذا ساعدوا بعضهم ليتعلموا، وبدأوا يتحصلون على الوجبة المدرسية عندما كانت فى السنة الرابعة الابتدائية، من خلال مساعدات الولايات المتحددة، وتذكر أنها كانت عبارة عن مخبوزات من دقيق القمح ولبن مبستر، وكانت هذه الوجبة تشبع بطون الأطفال الخاوية، كانت المنازل على شكل أكواخ، ويسكن فى المنزل الواحد أكثر من عائلة، ورغم ذلك كانت سعادتهم بالغة بالعودة إلى وطنهم مرة أخرى.. لم تنته آثار القنبلة بانتهاء الحرب، فكان لها ابن عم يسكن معها فجأه تغيب عن المدرسة عندما أصبح فى السنة الخامسة، وفى السنة السادسة الابتدائية مات نتيجة التأثر بالإشعاع الذرى من آثار القنبلة، تروى أنها كانت تندهش عندما ترى عظام رأسه وقصبة رجله بيضاء لكن عظام الصدر سوداء.

{long_qoute_3}

منذ عشرين عاماً اشتركت «كوندو» مع متطوعى السلام فى هيروشيما، ودرست عن هذا الأمر قليلاً وعلمت أن تأثير الإشعاع يكون قوياً على بعض الأماكن مثل الصدر والبطن، ولكن لا تستطيع الاستفاضة فى الشرح لقلة معلوماتها الطبية: «بهذا الشكل مات الكثير من الأطفال والأقارب والمعارف»، حسب قولها.

واجه المصابون بالإشعاع معاناة أخرى تمثلت فى الاضطهاد والازدراء، عند التقدم لوظيفة أو زواج، دائماً ما كانوا لا يستطيعون الحصول على وظيفة أو التقدم إلى مقابلة، فكان صاحب العمل يخشى مطالبتهم بإجازة بسبب المرض، حيث يتخوف من ضعف أجسامهم والإصابة بالأمراض بسبب الإشعاع: «كذلك البنات هنا لم يستطعن الزواج بسهولة، فالجميع يحاول الابتعاد عن بنات هيروشيما خوفاً من الإشعاع لئلا تلد طفلاً مشوهاً، هناك العديد من المشاكل والمعاناة التى يعانى منها المصابون حتى الآن، لكن رغم المعاناة والإشعاع استطاعت أمى العيش حتى عمر 93 عاماً، عانت الكثير وخاضت تجربة الحرب التى دارت فى المحيط الهادى وآسيا».

دهشت «كوندو» بعد موت أمها عندما قامت بحرق جثتها، بحسب عادات اليابانيين، كانت عظام جمجمتها وقصبة الرجل عادية، لكن العظام الأخرى فى حالة تهشم وتفتت تشبه الرمال الناعمة بسبب الإشعاع الذرى، لم تكن أمها وحدها بهذا الشكل، لكن سمعت نفس الكلام من سيدة أخرى حكت لها عن رفات أمها أثناء مؤتمر «داسى»، الذى أقيم فى مدينة ناجازاكى، فيما لم يصبح لدى «كوندو» إلا طلب واحد لخصته فى هتافها: «لا للحرب ولا لأسلحة الدمار الشامل.. أوقفوا الحروب وأفشوا السلام».


مواضيع متعلقة