«الانخفاض اللغز» ومستقبل الدولار

دون مقدمات تبدو مقنعة، ارتفع سعر الجنيه أمام الدولار بقيمة تراوحت بين 20 و27 قرشاً فى المتوسط، وهو حدث يأتى بعد أيام من تصريحات محافظ البنك المركزى طارق عامر لوكالة «بلومبرج» يقول فيها نصاً إن «سعر الصرف سيشهد تقلبات أكبر فى سعر العملة»، فى حين قال مسئول مصرفى لوكالة «رويترز» إن ما يحدث «حركة مثيرة للقلق وموجهة، وليس لها أى علاقة بالعرض والطلب».

عُيِّن طارق عامر محافظاً للبنك المركزى فى أكتوبر 2015، بعدها بشهر واحد، وبينما كانت السوق تترقب ارتفاعاً «حتمياً» لسعر الدولار، تم رفع قيمة الجنيه بنحو 20 قرشاً دفعة واحدة، وفى 14 مارس 2016 ارتد السعر بقفزة كبيرة أمام الدولار ليهبط الجنيه 112 قرشاً.

بعد قرار تحرير سعر الصرف نوفمبر 2016، أصبح «المركزى» -نظرياً على الأقل- خارج اللعبة، وشهدت العملة المحلية تقلبات كبيرة سرعان ما استقرت بعدها بأسابيع قليلة. بعدها لم تخرج التحركات عن مستوى بضعة قروش ارتفاعاً أو انخفاضاً، رغم زيادة تدفقات العملة الأجنبية منذ «التعويم» بفعل سعر الفائدة «المغرى» لـ«تجار الدَّيْن».. فهل أصبح «المركزى» خارج اللعبة بالفعل؟

منذ تحرير سعر الصرف، حققت استثمارات الأجانب فى أدوات الدين قفزات كبرى نتيجة «جاذبية» الجنيه المصرى، إذ بلغت ذروتها فى شهر مارس بقيمة وصلت 23 مليار دولار (وقتها لم يشهد الجنيه أى تحركات). فيما بعد شهد بعض الأسواق -وفى مقدمتها تركيا والأرجنتين- اضطراباً كبيراً نتيجة معركة «سعر الفائدة»، فيما عُرف بـ«أزمة الأسواق الناشئة»، والتى على أثرها خرج نحو 10.7 مليار دولار خلال الفترة من أبريل حتى نوفمبر الماضى. ووسط كل هذه العواصف والضغوط المتزايدة على الجنيه المصرى، لم يشهد سعر الصرف سوى تغييرات طفيفة للغاية، ما أثار تساؤلات. فى تقرير لها قالت «كابيتال إيكونوميس» -صراحة ودون مواربة- إن «المركزى قد يكون تدخّل فى سوق الصرف لوقف ارتفاع الجنيه»، وعادت فى تقرير آخر لتشير إلى أن «مصر اعتمدت بشكل كبير على البنوك الحكومية لبيع أصولها بالعملة الأجنبية تلبية لطلبات المستثمرين الأجانب المتخارجين من سوق الدين المحلى.. وأن البنوك لم يعد بوسعها تقديم المزيد لدعم الجنيه»، متوقعة أن يشهد الجنيه ارتفاعاً أمام الدولار خلال 2019.

وفقاً لبيانات «المركزى» فإنه سيتم سداد ديون بـ14.7 مليار دولار العام الحالى، منها 6.129 مليار دولار فى النصف الأول، ونحو 8.608 مليار دولار فى النصف الثانى، هذا بينما تنتظر مصر حالياً الإفراج عن مليارَى دولار يمثلان قيمة الشريحة الخامسة من قرض صندوق النقد الدولى.

السؤال الآن: ما سبب تراجع الدولار بهذا الشكل المفاجئ؟.. هل شهدت الموارد الدولارية أى قفزات؟ هل انخفضت قيمة الواردات؟ هل ارتفع الاحتياطى بصورة لافتة؟ هل عادت استثمارات الأجانب فى أذون الخزانة بقوة إلى السوق؟ وهل كان تأخر إرسال شريحة قرض الصندوق رسالة ما إلى «المركزى»؟.. البيانات الرسمية تجيب بالنفى، فالواردات زادت بنسبة تجاوزت 19%، ما ألغى الأثر الإيجابى لزيادة الصادرات التى ارتفعت بنسبة أكبر قليلاً من 14%.. الاحتياطى النقدى تراجع فى ديسمبر بنحو 1.9 مليار دولار لأول مرة منذ عامين.. دخول السياحة وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية المباشرة لم تشهد طفرات عظيمة تبرر ما يحدث.. وعودة استثمارات الأجانب فى أدوات الدين مؤخراً بنحو مليارَى دولار ليست سبباً كافياً أو مقنعاً للانخفاض «اللغز».

فى نوفمبر الماضى قرر «المركزى» إنهاء العمل بآلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب، وهو قرار اعتبره كثيرون «رسالة ثقة» للمستثمرين، ستسهم فى عودة التدفقات الدولارية، لكن ليس منطقياً أن يتم قياس تأثيره بناء على أرقام شهر يناير بكل تأكيد، فى ظل ما يتردد عن فقدان الجنيه جاذبيته.

خلاصة القول، ووفقاً للمعطيات المتاحة، لا يوجد سبب وجيه وعقلانى يفسر الانخفاض فى سعر الدولار، فلا الموارد الدولارية زادت، ولا الدولارات تدفقت بالباراشوت على البنك المركزى بين عشية وضحاها. على حد العلم المتاح، من الواضح أن هناك «مناورة» ما من جانب المحافظ طارق عامر -بعد تزايد التلميحات الدولية- استعداداً لضغوط مستقبلية على الجنيه، لكن المؤكد فى الأمر أن الأيام المقبلة لن تشهد استقراراً مماثلاً لسعر الصرف كما كانت الحال عليه العامين الماضيين.. وربما تكرر سيناريو أكتوبر 2015 بشكل أو آخر.. والله أعلم.