«نجيب باشا محفوظ»: أجنّة وأورام نادرة.. والزيارة ممنوعة لغير طلبة الطب

كتب: جهاد مرسى

«نجيب باشا محفوظ»: أجنّة وأورام نادرة.. والزيارة ممنوعة لغير طلبة الطب

«نجيب باشا محفوظ»: أجنّة وأورام نادرة.. والزيارة ممنوعة لغير طلبة الطب

تنوعت المتاحف واختلفت مقتنياتها وتخصصاتها، لكنها ظلت بمنأى عن المجال الطبى، ليأتى متحف «نجيب باشا محفوظ» ليكسر القاعدة، ويسلط الضوء على تخصص طبى دقيق «أمراض النساء والتوليد»، ويحوى مقتنيات تزيد أعمارها على 90 عاماً، عبارة عن عينات لأجنة وأورام.

داخل مقر كلية طب قصر العينى، وتحديداً فى قاعة مطلة على النيل بقسم النساء والتوليد، يوجد أكبر متحف لعينات أمراض النساء فى العالم، رصدتها عدسة المصور نور الرفاعى، ويقتصر زواره على طلاب الكلية وأطباء فى تخصصات عديدة، أبرزها الأشعة والجراحة والنساء والتوليد، وافتتح بعد تجديده فى مارس 2018.

«متحف وأداة تكنولوجية تعليمية»، هو الوصف الذى ساقه الدكتور أحمد المناوى، أستاذ أمراض النساء والتوليد بطب قصر العينى، أمين متحف نجيب باشا محفوظ، فهو ليس مخزناً لعرض عينات أجنة وأورام ترجع لعشرات السنين، إنما يربط الماضى بالحاضر عن طريق التكنولوجيا، مرجعاً الفضل فى هذا الصرح العلمى للدكتور نجيب باشا محفوظ، الذى أسسه وأهدى إليه العينات النادرة، التى جمعها فى مسيرته العملية.

وُلد «نجيب» فى 1882، وتخرج فى قصر العينى، واشتغل كطبيب تخدير فى السويس والإسكندرية، وخلال عمله ساعد فى كثير من الولادات، ولاحظ ارتفاع نسب الوفيات أثناء الولادة، حيث لم تكن العمليات القيصرية متاحة ولا أنظمة العلاج المتطورة، فتعاطف مع السيدات، وقرر العمل كطبيب نساء، التخصص الذى لم يكن موجوداً فى ذلك الوقت.

أثناء عمله فى السويس تصادف مرور شقيق ملك إنجلترا على مركب، وتوفى على متنه، وتمكن الدكتور «نجيب» من تحنيط الجثة، حيث كان يهتم بمادة التشريح وهو طالب، وأخذ عن ذلك مكافأة قدرها 50 جنيهاً، وكُتباً عن أمراض النساء، طلبها تحديداً لتثقيف نفسه، وفى عام 1908 أعلن قصر العينى عن وظائف شاغرة، وتم تعيينه فى وظيفة طبيب تخدير، لكنه طلب من عميد الكلية فتح عيادة أمراض نساء، الطلب الذى قوبل بالرفض، لصعوبة تحقيق ذلك فى بلد محافظ، حيث لن يسمح الأزواج بعرض زوجاتهم على طبيب رجل فى هذا التخصص، وعلى سبيل التجربة سمح له عميد الكلية باستقبال حالات لمدة ساعة يومياً من 8 إلى 9 صباحاً فى العيادة الخارجية.

{long_qoute_1}

لم يكن متوقعاً أن تقبل السيدات على «نجيب»، ففى السنة الأولى استقبل 810 حالات، والسنة الثانية 1310 حالات، وفوجئ الجميع فى قصر العينى بأن هناك طلباً كبيراً على هذا التخصص، فطلب جراحون من عميد الكلية افتتاح قسم أمراض النساء بالقصر، وعرض على «نجيب» أن يكون مديراً للقسم، لكنه رفض، باعتباره طبيب تخدير فى الأساس، واقترح تعيين أستاذ أمراض نساء من الخارج، وأن يكون هو مساعداً له.

أثناء عمل «نجيب» فى القسم شاهد مجموعة كبيرة من الحالات، ومعظمها تعانى من مشكلات وأمراض متوارثة، خاصة أن الأجهزة لم تكن متطورة مثل السونار، وحصر نحو 300 حالة تتفاوت ما بين أورام نادرة أو تشوهات أجنة، وأقنع أهالى المريضات بالتنازل عن الجثة، سواء لأجنة أو «سقط» لصالح العلم، وقام بتحنيط هذه العينات، بعد أن جلب من فرنسا المواد الكيميائية المستخدمة فى ذلك، والأوانى الزجاجية الفارغة لعرض الأجنة.

فى عام 1928، كان قصر العينى يحتفل بـ100 عام على إنشائه، وحضر الاحتفال عدد كبير من الأطباء الأجانب، وفكر «نجيب» فى أن يعرض عليهم العينات النادرة، وفوجئ برغبة الأطباء فى رؤية المزيد والتبرع بجزء منها لقصر العينى، وبالفعل تبرع بـ1500 حالة، وأنشأ متحفاً لها، افتتح فى عام 1932، بينما تبرع بباقى العينات إلى 3 جهات، هى جامعتا الإسكندرية وأسيوط، فضلاً عن إحدى الجامعات فى دولة السودان.

«المناوى» أوضح أن المتحف كان موجوداً فى قصر العينى القديم، المبنى الذى تم هدمه وبناء مستشفى قصر العينى الفرنساوى، ووقتها اقترحوا نقل المتحف لقسم النساء والتوليد بمستشفى المنيل الجامعى فى الروضة، وهو ما تم بالفعل فى نهاية الخمسينات. المقر القديم كان كبيراً ومقسماً لدورين، أما الحالى فعبارة عن غرفة واحدة مطلة على النيل، وللأسف العينات بمرور الوقت تعرضت للتلف والإهمال، فلم يتم تغيير محلول الحفظ لمدة سنوات طويلة، ولم تعد للعينات قيمة علمية، لدرجة أن الطلاب كانوا ينزعجون من محاضرة الأوانى، ويتهربون منها.

ظلت العينات موجودة حتى عام 2017، وفكر «المناوى» فى ترميم المتحف وتطويره، وعرض الأمر على متخصص فى إنشاء المتاحف، والتقى بأحفاد نجيب باشا محفوظ، ورحبوا بالفكرة وأكدوا استعدادهم للتكفل بها مادياً، ثم تطورت الفكرة، بتوظيف التكنولوجيا الحديثة، وتصميم «رمز استجابة سريع» لكل الأوانى، وأصبح بمجرد قيام الطالب بتسليط كاميرا هاتفه نحو الرمز، يتم فتح موقع إلكترونى يحوى توصيف الحالة، وبالتالى أصبحت العينة المعروضة أشبه بكتاب يمكن وضع معلومات عديدة به.

افتتح المتحف بعد تجديده فى مارس 2018، بعرض متحفى عالمى، فيما يتعلق بالتنسيق الداخلى والإضاءة والألوان، وفقاً لـ«المناوى»، وأصبح الطلاب حريصون على زيارته، ولديهم شغف كبير به، وتبرعت إحدى شركات الاتصالات بخطوط إنترنت مجانية مدى الحياة، وأجهزة «تابلت» للطلاب، بحيث يوجد مع الطالب خلال فترة المحاضرة فى المتحف. رفض «المناوى» فرض رسوم لزيارة المتحف، ومبرره فى ذلك أن العينات هى تبرع لصالح العلم، مؤكداً أنه تلقى طلبات مؤخراً من بعض المدارس لزيارة المعرض، ويجرى حالياً دراسة لفتح المعرض للجمهور ولكن بحجز مسبق وفى أوقات معينة.


مواضيع متعلقة