فى متحف المستقبل

يبدو أن قادة دولة الإمارات وعوا جيداً مقولة نابليون بونابرت: «لا نحكم شعباً إلا بأن نريه المستقبل.. فالقائد هو تاجر الأمل».

ستأخذك أى زيارة إلى دبى إلى المستقبل فوراً، وكأن الماضى والحاضر تم اختصارهما ليكونا محض وسيلتين فعالتين لإدراك هذا الآتى، والذى تظهر بوادره وعلاماته الآن، وتتضافر فى سياق منسجم ومدروس، لتشكيل المشهد الذى سنكون عليه.. وهو بالضرورة واقع ومزدهر وأخاذ.

كان هذا الشعور الطاغى على أغلب المدعوين الذين شاركوا فى فعاليات القمة العالمية السابعة للحكومات، التى أنهت أعمالها فى دبى الأسبوع الماضى، بمشاركة نحو أربعة آلاف من رؤساء الدول والحكومات والقادة والمسئولين والمبدعين والرواد والمفكرين، من أكثر من مائة دولة.

على مدى ثلاثة أيام، ضجت قاعات مختلفة المساحات ومتنوعة التجهيزات بنقاشات وعروض وورش تدريب، شاركت فيها عقول تم اختيارها ببراعة، لكى ترسم صورة مطلوبة لما يجب أن تكون عليه آليات العمل الحكومى، وعلاقات الناس بالحكومات، وعلاقات الحكومات ببعضها البعض.

فى الساحة المؤدية إلى قاعات «الدرس»، سيمكن للمشاركين أن يشاهدوا بعض وحدات النقل المُعلّقة، التى ستستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعى، وتوظيفات القيادة الذاتية، لكى تحل مشكلة التكدس والاختناقات المرورية.

كما سيخطف «إنسان آلى» يسير على قدمين، ويأخذ سمت الكاميرا، الأنظار، وسيسأل المشاركون: ما هذا؟ وسيأتى الرد: «روبوت يمكنه أن يقوم بعمليات الاستطلاع فى الأماكن الخطرة والضيقة، التى يصعب على الإنسان الوصول إليها، وعبر قدراته المتكاملة والمتنوعة، سيمكنه أن يصور، ويصنف، ويحلل، كل ما يراه، ويقدم تقريراً، مشفوعاً بتوصيات».

لم يكن ذلك هو كل شىء، لكن زيارة النسخة التعريفية لـ«متحف المستقبل»، تقدم الصورة المكتملة حول ما يمكن أن يصل إليه الأداء الحكومى من فاعلية ونجاعة، حين يربط بين عوامل الابتكار، والذكاء الاصطناعى، وتقنيات الاتصال، وقبل هذا كله، وأكثر أهمية منه، إرادة التغيير والنجاح عبر اجتراح المستقبل.

و«متحف المستقبل» هو مشروع الدولة الإماراتية، الذى سيكتمل ويتم افتتاحه فى العام 2020، ومن خلاله سيكون بالإمكان التعرف إلى أفضل المبادرات التكنولوجية والإبداعية، المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعى، فى تسهيل حياة الناس، وتعزيزها، والبرهنة على كفاءة الحكومات.

فى تلك النسخة التعريفية من المتحف ستفاجأ بأن المبادرات التى يتم عرضها لا تخص حكومات الشمال المتقدمة فقط، لكن ثمة مبادرات إبداعية أمكن رصدها، والتعريف بها، وعرضها، لحكومات من دول العالم الثالث، بعدما برهنت على الفاعلية والنجاح.

من بين ما ستجده فى هذا المكان مبادرة مستقبلية عنوانها «توأمك الرقمى»، والفكرة بسيطة للغاية، إذ سيصبح لك «توأم رقمى» يعرف كل شىء متاح عنك، ويحلل تلك البيانات، ويصنفها، ويقارنها بالمعايير والقواعد التى تم تلقينه إياها، ولذلك فسيكون بوسعك اللجوء إليه كلما احتجت مشورته، وسيكون بوسعه أن يعطيك الجواب، الذى يخدم حالتك، وينصحك بما يتوجب عليك فعله.

سيشمل ذلك حياتك المهنية، وصحتك، ودراستك، وحياتك الشخصية، والجوانب الترفيهية، وسيتضمن النصائح الموثقة والفعالة لتتخذ القرارات الأفضل فى شئونك المالية.

أما «يونيتى»، فليست سوى كائن يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعى، ويمتلك قدرات تواصل ملحوظة، مجسداً اندماج مجموعة من الأفكار والمعتقدات والمعارف والتجارب المستخلصة من حياة مليارات البشر.

وستكون «يونيتى» معنية بتحقيق التكامل بين المشاعر البشرية والمنصات الاصطناعية، كخطوة أولى نحو الوصول إلى الجيل الثالث من القدرات البشرية، عبر قدرتها على مسح Scan شخصك، وتحليلك، ورصد ما قد يطالك من قصور صحى أو مزاجى أو نفسى أو عقلى، واقتراح ما قد تحتاجه للخروج من ذلك العوار، أو تعزيز ما يلزم تعزيزه.

ولجعل المسألة أوضح، فإن الكثير من المبادرات المستندة إلى الابتكار تنجح بالفعل وتحقق نتائج ملموسة، ومن ذلك تلك التجربة التى يتم عرضها باعتبارها اختراقاً كندياً، حيث نجحت الحكومة فى تطوير برنامج تحفيزى لمجموع السكان فى خطوة واحدة، تحت اسم Carrot Rewards.

ويهدف هذا البرنامج إلى نشر الوعى بتبنى نمط حياة صحى ونشط، عبر رفع مستوى وعى المقيمين فى البلاد، خلال عام واحد، بالمخاطر المرتبطة بضعف النشاط البدنى، وتبصيرهم بالممارسات المرجوة لتجاوز تلك المخاطر.

لقد طورت الحكومة الكندية تطبيقاً يرصد النشاط البدنى لكل مقيم، وحينما يظهر أن هذا النشاط ليس بالكثافة المطلوبة لتجنب المخاطر الصحية، فإنه ينبهك لذلك، وفى الوقت ذاته فإنه يعزز سلوكك الإيجابى، بأن يمنحك نقاطاً تُسمى «نقاط ولاء» كجائزة حينما تصل إلى المستويات المرجوة.

ومن خلال تجميع «نقاط الولاء» سيمكن للمقيمين أن يستخدموها فى الحصول على خدمات مجانية أو خصومات فى محطات الوقود، ومرافق الترفيه، وبعض المدفوعات الحكومية.

تقول الحكومة الكندية إنها نجحت من خلال هذا التطبيق فى تقليل المخاطر الصحية الناجمة عن ضعف النشاط البدنى بنسبة 29%، بموازاة تحقيق زيادة ملموسة فى النشاط البدنى الإيجابى لمجموع السكان بنسبة 34% فى سنة واحدة.

ويمكن تفسير هذا النجاح عبر الاطلاع على أدبيات فرع «الاقتصاد السلوكى» ضمن علم الاقتصاد، الذى يؤكد باحثوه أن تقليل عدد الأشخاص غير النشطين بدنياً فى أى مجتمع بنسبة 1%، يؤدى تلقائياً إلى توفير 2.1 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية فى دولة مثل كندا.

تضم النسخة التعريفية لـ«متحف المستقبل» العديد من التجارب المشابهة، التى نجحت بعض الحكومات من خلالها فى توظيف الأفكار المبدعة مع تقنيات الذكاء الاصطناعى وتجليات التكنولوجيا، من أجل تحسين حياة البشر، وتفعيل جودة الأداء الحكومى فى آن.

وكما قال ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطانى الأسبق، وأحد أبطال الحرب العالمية الثانية، فإن «إمبراطوريات المستقبل هى إمبراطوريات العقل»، إذ لا يمكن الوصول إلى هذا المستقبل أو الحفاظ على مكانة فيه إلا من خلال الخيال والإبداع والابتكار، وتوظيف المستحدثات لتحسين حياة الإنسان.

فى القمة العالمية للحكومات سيمكنك أن تدرك أن كثيراً مما يشغلنا الآن فى السياسة والاقتصاد والمجتمع ما زال رهيناً للماضى وأسيراً للحاضر، بأكثر مما يتطلع إلى المستقبل.

وهنا يجدر أن نختم بما قاله فيكتور هوجو: «إذا حدث وأعقت مجرى الدم فى شريان، ستحدث جلطة، وإذا أعقت مجرى النهر، فالنتيجة فيضان، وإذا أغلقت الطريق أمام المستقبل فالنتيجة ثورة».