الدروس المستفادة

كلما فاجأتنا حادثة قطار، يتبادر سؤال بديهى يكاد يكون من مسلمات العقل الجمعى المصرى: «من المسئول؟».

والاحتمال الأول لدى الأغلبية العظمى هو العمل الإرهابى، فإذا تم استبعاده فإن الاحتمال الثانى هو الإهمال، ويأتى أخيراً القضاء والقدر، وإن كان القضاء والقدر حاضراً فى كل الاحتمالات.

ولكن دعونا الآن نحطم كل التابوهات التقليدية فى الفكر الجمعى المصرى، بنفس المقدار الذى تحطمت به قلوبنا ونحن نشاهد فيديوهات الحادث المفجع والضحايا يجرون وقد علقت بهم النيران وتلتهمهم دونما رحمة أو شفقة ودموعنا تتسارع دونما أى سيطرة عليها.

تتلخص الحادثة فى أن سائق القاطرة تركها دائرة ونزل منها ليتشاجر مع زميل له فى العمل، وبذلك فقد حصرنا المسئولية فى هذا السائق وزميله وهذه سطحية شديدة.

نحن أمام منظومة إدارة موغلة فى الفشل، فمن سمح لهذا السائق المعتوه بأن يقود القاطرة؟ ومن سمح لزميله أن يقف له فى طريق عمله ليتشاجر معه؟ وأى الفحوصات الطبية التى توقع على العاملين بمرفق السكة الحديد؟ وهل يتم الكشف الدورى على تعاطى المخدرات على العاملين لاسيما السائقين أم لا؟ وبالنسبة لكفاءة القاطرة هل يتم الكشف عليها ميكانيكياً أم لا؟ هل تراجع سلامة المكابح أم لا؟ وهل لو كان الديزل عند مستواه الطبيعى هل كان سينفجر أم لا؟ وكيف تم الانفجار والاحتراق بهذا الشكل مع أن الوقود «ديزل» وليس «بنزين» سريع الاشتعال؟ وأين دور الأمن الصناعى داخل مرفق السكك الحديدية؟ كيف يترك السائق يتشاجر دون التدخل فى الوقت المناسب ليأتى بسائق آخر ليقود القاطرة؟ هل يتم استخدام التكنولوجيا الحديثة أم لا؟ هل توجد مراقبة تليفزيونية للتدخل فى الوقت المناسب أم لا؟ بعد الحادثة متى بدأ تدخل فرق الإنقاذ؟ وما هى وسائل الإنقاذ المستخدمة بعد وقوع المصيبة؟ ومدى كفاءة هذه الوسائل؟

بعض المنقذين استخدموا الماء لإطفاء المحترفين فهل يجوز استخدام الماء فى حرائق الديزل؟

الإجابة الوحيدة الصحيحة عن كل هذه الأسئلة هى: (الفشل الإدارى الذريع لمرفق السكك الحديدية).

السبيل الوحيد هو التحديث الشامل مع اللجوء لعملية انتقاء للقيادات والعاملين بفكر إدارة حديث، وتطبيق برامج تدريب حديثة، والاستفادة من تجارب خبرات الآخرين، لا سيما الأصدقاء الذين تمكنوا من تطوير أنفسهم طبقاً لأحدث ما توصل إليه العلم، ولا يتم ذلك كله إلا بتوفير مصادر تمويل لأن كل ذلك يحتاج إلى أموال طائلة.

يجب التفكير خارج الصندوق والتساهل فى التعامل مع المستثمرين الجادين ومنحهم ضمانات وحوافز أكثر مما هو موجود فى القوانين واللوائح، يجب التحرك السريع وعدم التراخى واللامبالاة، فاللامبالاة فى هذه الحالة خيانة.

نحن فى مصر نبدأ قبل الآخرين ولكن عندنا مرض اسمه «ليس فى الإمكان أفضل مما كان» ونرفض أى تحديث ولا نصرف قرشاً على البحث والتطوير، ثم يصيبنا الترهل والهدوء ونبطئ الخطى ثم نتوقف ومن ثم نسير للخلف، وليس أدل على ذلك من مرفق السكك الحديدية فنحن ثانى دولة فى العالم لديها سكك حديدية وبعدما كنا الأمير أصبحنا اليوم ندير خردة وبنفس أسلوب يوم بدأنا أو حتى أسوأ.

ولكن، والحق يقال، ومهما كان حجم المصيبة وعظيم الألم، فإن هناك بصيص نور وخفايا أمل تشرئب بعنقها من بين النار والحطام والركام، فقد تحسن أداء الحكومة كثيراً عن سوابقها فى مثل هذه الكوارث، فسرعة انتقال رئيس الوزراء والوزراء المعنيين كانت رائعة وعلى مستوى الحدث، وقرار وزير النقل الاستقالة بسرعة معلناً مسئوليته مع سرعة قبولها وسرعة اتخاذ قرار التعويضات وتصرف المواطنين بالشهامة المعهودة للمصريين وتكالب الجميع للتبرع بالدم، كل ذلك يمثل أملاً حقيقياً فى غد أفضل.

خالص التعازى لنا جميعاً وندعو الله أن تكون آخر الأحزان الجماعية.