الجزائر.. التاريخ والمخاوف والمصالح

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

كاتب صحفي

هى بلد المليون ونصف المليون شهيد لثورة سعت للتحرير منذ خمسينات القرن الماضى، كما أنها أرض المائة ألف قتيل ممن راحوا ضحايا العشرية السوداء فى سنوات سعت فيها تيارات التأسلم لفرض رؤيتها بالعنف، تلك هى الجزائر الحائرة اليوم بين تجديد فترة رئاسة خامسة للرئيس بوتفليقة وبين رفض ترشحه من قبل نسبة لا يمكن الاستهانة بها من الجزائريين.

التاريخ يقول إن الجزائر سارت منذ مطلع الثمانينات على نفس خطوات العالم العربى، الذى اكتوى بنار التطرف الفكرى من قبل جماعات عنف متأسلمة، ضمت كل ألوان التكفير من إخوان وسلفيين وتكفير وهجرة، سعت جميعها لفرض فكرها بالقوة تزامناً مع تمكن الملالى فى إيران فيما عُرف باسم الثورة الإسلامية، بدأت تلك الجماعات بالضغط على السيدات فى ارتداء الحجاب، ومهاجمة محلات الخمور والمطالبة بتشكيل حكومة إسلامية، بشكل أدى إلى حدوث مصادمات فى المجتمع مع المعارضين لهذا الفكر، وكما كان الحال فى مصر لم تدرك الجزائر خطورة تلك الجماعات فى البداية، وظنت أنهم مجرد كيانات تنضوى تحت أسماء لحركات مثل الحركة الإسلامية المسلحة والجماعة والجيش الإسلامى وجبهة الإنقاذ الإسلامية، أو أسماء لأشخاص كان من أبرزها عبداللطيف سلطانى وعباس مدنى وعلى بلحاج، الذين بدأوا فى إعلان تكفير المجتمع الذى يختار حكومته وفقاً لإرادة الشعب لا وفقاً للقرآن، ولكن سرعان ما ثبت عكس ذلك، فكان أكتوبر الأسود عام 1988 حينما ضربت الجزائر سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات العمالية التى وصلت إلى تدمير الممتلكات العامة وقتل نحو 500 جزائرى واعتقال 3500 آخرين وإعلان حالة الطوارئ من قبل الحكومة، ورغم ما اتخذته الحكومة وقتها من إجراءات لتخفيف حدة المواجهة فى المجتمع من جانب والسيطرة على المتأسلمين من جانب آخر، إلا أن انتخابات عام 1991 منحت هذا التيار العنيف الأغلبية، فتم إلغاء نتيجة الانتخابات، وأجبر الجيش الشاذلى على الاستقالة وجىء بمحمد بوضياف رئيساً، وتم حل جبهة الإنقاذ التى اعتبرت كل ما سبق إعلان حرب، لتدخل الجزائر فترة من الحرب الأهلية بين الحكومة وتلك الجماعات اغتيل فيها بوضياف، وفشلت كل المفاوضات وبدأت مرحلة جديدة من العنف المسلح من قبل تلك الجماعات التى استباحت ذبح الجزائريين من جانب، وبين الجيش وتلك الجماعات من جانب آخر، فى محاولة لحماية الجزائر من تلك الحرب التى لم تنته إلا فى العام 1999، حينما تم الاتفاق على بوتفليقة رئيساً للبلاد لينجح فى إنهاء العشرية السوداء وبدء مرحلة تضميد الجراح سياسياً واقتصادياً.

هذا هو حديث التاريخ، أما حديث الحاضر فيقول إن بوتفليقة غائب منذ العام 2013 حين أصابته جلطة دماغية، وأن هناك صراعاً خفياً على السلطة بين أكثر من طرف داخل الجزائر وخارجها، ففى الداخل تشتد المنافسة بين سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس ومستشاره، ورئيس أركان الجيش أحمد قائد صالح ورئيس المخابرات عثمان طرطاق، ورجال أعمال ضالعين فى مصالح مع دوائر السلطة والنفوذ، وإسلاميين فقدوا تأثير التسعينات ولكن ما زال لهم أتباع ووجود، أما فى الخارج فالصراع قائم بين باريس التى لا تزال تعتبر الجزائر امتدادها الاستراتيجى رغم الاستقلال، وواشنطن التى ترى الجزائر -كما ليبيا وتونس والمغرب- ساحة لا بد لها من فرض سيطرتها عليها بشخصيات مثل شكيب خليل وزير الطاقة الأسبق، ومن هنا تتبدى المخاوف بين تاريخ اتشح بالسواد وحاضر تسيطر عليه المصالح المتناقضة، ولذا يبقى بوتفليقة الأكثر أمناً لكافة الأطراف. ولكن هل تتفق الغالبية مع هذا الخيار؟