«مدينة الذهب».. قِبلة الباحثين عن المتعة والهدوء والعلاج
«مدينة الذهب».. قِبلة الباحثين عن المتعة والهدوء والعلاج
- أحمد منيب
- أكل العيش
- أمراض العظام
- الثقافة الأفريقية
- الحرف التراثية
- السياحة البيئية
- الشباب العربى
- الطيور النادرة
- القرن العشرين
- الكثبان الرملية
- أحمد منيب
- أكل العيش
- أمراض العظام
- الثقافة الأفريقية
- الحرف التراثية
- السياحة البيئية
- الشباب العربى
- الطيور النادرة
- القرن العشرين
- الكثبان الرملية
«ولدتُ فيها بمشيئة القدر، ولو ملكت الأمر لولدتُ فيها بمشيئتى، فأسوان تزهو حين يذبل كل مخضر نضير، فـى كل مربأة بها نور يتألق فوق نور، بلد تجود له الطبيعة بالصغير وبالكبير»، بهذه الكلمات الساحرة وصف الأديب عباس محمود العقاد مسقط رأسه، أسوان، مدينة الذهب كما يطلق عليها البعض، فمنذ قديم الزمان وكل يوم يتبين أنها تستحق كل قصائد المديح حتى قيل إنه لو وُجدت أوسمة للمدن لكانت هى أولى بحيازتها.
«عاصمة الثقافة الأفريقية» و«عاصمة الشباب العربى الأفريقى».. هذه هى آخر الألقاب التى التصقت بالمحافظة العريقة التى تتميز كافة أنحائها بوجود مواقع أثرية تركها الأجداد من معابد ومتاحف ومسلات، أرض أسوان تسجل كل خطوة فيها حكايات ساحرة من قلب التاريخ على مر العصور، ورغم مرور آلاف السنين ما زالت الطبيعة تجود بكل خيراتها، فأسوان حبتها الطبيعة بالنخيل وشلالات النيل والطمى والصخور المنحوتة بأشكال بديعة، يضاف إلى كل ذلك جزيرة النباتات التى يحتضنها النيل بين جنباته وهى تمتلئ بكل أصناف النباتات من دولٍ ومناخات عدة، لذلك استحقت أسوان أن تكون قبلة الرؤساء، المسكونة بسحر التاريخ وروعة الطبيعة.
{long_qoute_1}
«إن كانت الأقصر بها ثُلث آثار العالم فإن أسوان تجمع بين ضواحيها ثُلث ثقافات العالم بقبائل تضرب بجذورها لأكثر من 3000 سنة، ولا نزال نبنى حضارة تليق بأجدادنا وحاضرنا»، هكذا قال عادل منيب، ابن شقيق الموسيقار الأسوانى أحمد منيب، فى تغنيه بأسوان التى يختلط فيها الحاضر بالماضى، فأهل الحاضر يرون أنهم محظوظون بما ترك الأجداد، لذلك يجتهدون فى حراسة التراث وبناء حكاياتهم وأمجادهم لسُكان المحافظة الجدد، فهناك مواهب شابة تفنى وقتها فى تجميل الشوارع فى القرى والميادين، ويبادرون بتوثيق اللغة القديمة، ويدمجون الموسيقى القديمة بالحديثة، وكبار يحكون عن التراث ويدعمون حكاياتهم بفعاليات تولد داخل النشء عشق القديم وتحثه على الاستزادة، وآخرون يتواصلون مع الأجانب عبر الواقع الافتراضى بإتقانهم فنوناً حديثة وآخرون فى قرى ناشئة، يبنى أهلها طريقهم لجذب أنظار العالم.
فى جنوب أسوان تقع جزيرة سِهِيل وبالقرب منها قرية غرب سِهِيل، التى تجذب الكثير من السياح فيبحثون عن مراكب نيلية تأخذهم إلى هناك، وفى عرض النيل وسط الكثبان الرملية وصخور الجرانيت والشلالات التى تزيد المنظر بهاءً، وعلى أنغام محمد منير ورفرفة الطيور النادرة تبحر المركب لمدة نصف ساعة أو أكثر بقليل حتى تصل إلى مرسى «بربر»، حيث بوابة دخول «غرب سهيل»، ليبدأ الوافدون بامتطاء الجمال للتجول بين أنحاء القرية الجديدة وبيوتها المبنية على طراز نوبى أصيل ومزودة بقباب تنشر الشمس بين أرجاء المنزل وألوانها بين زُرقة النيل وصُفرة الرمال، تزدان بالنقوش النوبية والألوان المبهجة ورموز منحوتة تشير بعضها إلى المرأة لما لها من دور كبير فى الحياة النوبية ووضع خاص، ففى عاداتهم البنت لا تبرح بيت أبيها بعد الزواج إلا بعد سنوات تقوم فيها عائلتها على مساعدتها فى حياتها الجديدة وتكون عوناً لها أمام زوجها حتى تتولد بينهما المودة.
غرب سهيل تم تأسيسها فى أوائل العقد الثانى من القرن العشرين عقب بناء خزان أسوان، نجح أهلها فى جعلها مقصداً للسياح الأجانب والمصريين، رغم عدم وجود متاحف وآثار بها، بعدما أنشأوا بيوتهم على الطراز النوبى ويمتهنون جميع الحرف التراثية، من صناعة العرائس بتفاصيل نوبية والأقنعة ذات الألوان الأفريقية المميزة والمشغولات اليدوية والملابس التراثية، ولا يزالون يحتفظون بمواهب أجدادهم القديمة فى تربية التماسيح وتحنيطها، ورسم الحناء بالطرق النوبية والأفريقية، وفوق كل ذلك كان لهم من الكرم نصيب وافر، فمنذ الصباح تقوم النساء بإعداد الطعام النوبى بكميات كبيرة تحسباً لاستقبال السياح المقبلين للتجول عبر البلدة الجنوبية أو للعلاج من أمراض العظام والروماتويد بدفن الجسم كله بطريقة ما فى الرمال، فاستحقت بمنازلها النوبية المطلة على النهر الخالد، بمناظرها الخلابة وحرص أهلها على تقديم خدمات صحية عبر فنادق ومنازل استضافة بعيدة كل البعد عن اقتحام التكنولوجيا، أن تكون مقصد السياحة البيئية.
{long_qoute_2}
أفكار كثيرة يستلهمها الشباب الأسوانى من وحى تراثهم وتاريخهم، وورثوا مواهب فنية وأدبية جعلت الإبداع يسرى فى دمائهم ويشجعهم على تحدى ضيق الوقت والسعى وراء «لقمة العيش»، فهذا أديب عاد لكتابة الشعر بعد أن كبر أبناؤه، وكان قد تركه ليخطو نحو الزواج وبناء عائلته، وهاك شاب درس السوق لسنوات قبل أن يفتتح مطعمه الأفريقى، وآخر عاد فى عمر الستين لحرفته اليدوية فى صناعة المراكب، وآخر يحارب وراء أكل العيش بالعمل «فرَّان» ويحرص على حضور جلسة الاثنين والخميس بنادى الأدب لينمى موهبة كتابة الشعر، وآخرون ينشئون قناة متخصصة فى الشأن النوبى تتحدث النوبية ومترجمة للغات عدة، فيما أنشأ آخر متحفاً منزلياً ساهمت آراء زائريه عنه لدى شركات السياحة فى إدراجه عالمياً بين مقاصد السياح.

