ضحية.. مضطرب.. مُحبط.. مجروح.. جاهل.. «أقنعة الإرهابى المزيفة»

كتب: إمام أحمد

ضحية.. مضطرب.. مُحبط.. مجروح.. جاهل.. «أقنعة الإرهابى المزيفة»

ضحية.. مضطرب.. مُحبط.. مجروح.. جاهل.. «أقنعة الإرهابى المزيفة»

أصبح الإرهاب هو التهديد الأكبر الذى يواجه الدول والشعوب، لم يعد مجرد حوادث فردية بدائية يرتكبها متطرفون فى حق أبرياء، لكنه تحول إلى عملية منظمة ومخططة تنفذها تنظيمات وجماعات بغرض تحقيق أجندات محددة، الأمر الذى يفرض أهمية قصوى لدراسة وتحليل هذه الظاهرة المتنامية بعناية كبيرة، وعدم التوقف عند مواجهتها أمنياً أو إدانتها فى بيانات رسمية فقط.

هذا ما فعلته الدكتور عزة هاشم، التى أعدت رسالة دكتوراه تحت عنوان «الصورة الذهنية للإرهابى لدى المصريين»، وأشرف عليها الدكتور محمد حسن غانم، أستاذ ورئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان، فى محاولة جديدة لتسليط الضوء على شخصية الإرهابى، ودراسة صورته الذهنية لدى المصريين من فئات مختلفة واتجاهات سياسية متباينة، وتناولت عينة بحث ضمت 420 مواطناً بينهم موظفون بالحكومة وعاملون بالقطاع الخاص وطلبة جامعيون.

الإرهاب لا يتعلق بفقر أو مستوى تعليمى.. و"الاستعداد الذاتى" الخطوة الأولى.. والإعلام يلعب دور البطولة فى تغذية الأفكار دون قصد أحياناً

الرسالة التى حصلت على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، انتهت إلى مجموعة من النتائج الصادمة، أبرزها أن الشخصيات ذات الاتجاهات الفكرية المحافظة أكثر ميلاً لتبنى صورة مغلوطة أكبر عن الإرهابيين، تسهم فى تعاطفهم معهم أو إيجاد المبررات لهم، فيما تتبنى الشخصيات ذات الاتجاه الليبرالى نظرة أكثر صحة ودراية وعلى صلة أكبر بالواقع، وأشارت الرسالة أيضاً إلى أن دارسى التخصصات العلمية أكثر ميلاً لقبول صورة مغلوطة عن الإرهاب وقبول الأفكار المتطرفة عن دارسى التخصصات الأدبية أو الإنسانية أو الفنون، أما النتيجة الأكثر غرابة فتعلقت بالنوع، حيث انتهت الرسالة إلى أن الإناث أكثر ميلاً عن الذكور لتبنى أفكار مغلوطة عن الإرهابيين.

رسالة دكتوراه تكشف: أصحاب "الاتجاهات المحافظة" وطلبة "التخصصات العلمية" أكثر ميلاً للأفكار المتطرفة

وتعليقاً على هذه الملاحظات التى رصدتها الرسالة الأولى من نوعها، قالت الدكتورة عزة هاشم، صاحبة الرسالة، لـ«الوطن»، إن التيار المحافظ سواء فكرياً أو دينياً يميل إلى الانغلاق بدرجة أكبر، وبالتالى يكون أكثر ميلاً لرفض الآخر أو تبنى مبررات للعنف والتطرف، وأضافت أن طلبة ودارسى التخصصات العلمية مثل الطب والصيدلة والهندسة والعلوم، يعتمدون طريقة تفكير مباشرة تفتقد الخيال والمشاعر والجوانب الروحية، ما يجعل بعضهم أكثر تهيؤاً لقبول أو تبرير الإرهاب، وفيما يتعلق بالنوع قالت «عزة»: «التفسير النفسى لكون الإناث أكثر ميلاً من الذكور لقبول أفكار مغلوطة عن الإرهاب هى العاطفة الموجودة لدى الإناث بصورة أكبر، حيث تعتمد الجماعات المتطرفة والإرهابية على استغلال سلبى للعاطفة، بما يؤثر فى النساء بدرجة أكبر من التأثير فى الرجال»، وحذرت «هاشم» من خطورة تبنى صورة ذهنية مغلوطة عن الإرهابيين، مؤكدة أن الجماعات الإرهابية تقوم بتمرير هذه الصورة المغلوطة لدى المواطنين السلميين لدفعهم نحو تبنى مبررات ووجهات نظر متعاطفة مع العناصر الإرهابية، وذلك نتيجة استثارة عواطفهم والترويج لمغالطة كبرى تقول إن هذه العناصر «ضحايا وليسوا جناة»، ما يدفع البعض فى النهاية لعدم تأييد إجراءات الدولة المتشددة فى مواجهة الإرهاب، وتابعت: «الدول تبنى مكافحتها للإرهاب على الدعم الشعبى لها، وإلى أى درجة هناك قبول للإجراءات العقابية والاستثنائية، فإذا تم الضغط على هذا الدعم الشعبى بترويج أفكار أو صور خاطئة للمواطنين، تفقد الدول والجيوش عنصر قوة رئيسياً فى حربها للإرهاب»، واستعانت «هاشم» فى رسالتها بدراستين أجنبيتين، الأولى إنجليزية لبحث درجة الاضطرابات النفسية لدى الإرهابيين، من خلال عينة بحث ضمت 153 إرهابياً ممن يطلق عليهم «الذئاب المنفردة»، وأكدت الدراسة أن 40% من عينة البحث مضطربون نفسياً، وهى نسبة تقترب من المعدل الطبيعى للاضطرابات داخل المجتمعات العادية، الذى يتراوح بين 20% و28%، وتابعت: «هذه الدراسة تنفى فكرة أن الإرهابى مريض نفسى ومختل عقلى، وهذا غير صحيح على الإطلاق، لأن هذه مغالطة تفرض أن يقتاد الإرهابى إلى المصحة وليس إلى السجن، والحقيقة أن الإرهابيين الأعضاء بالتنظيمات المتطرفة أصحاء وأسوياء تماماً عقلياً ونفسياً ومسئولون كلياً عما يرتكبون من جرائم، واختاروا طريقهم بإرادة كاملة».

الدراسة: الإناث يتبنين أفكاراً مغلوطة أكثر من الذكور بسبب "التأثير العاطفى".. وإعلام التنظيمات الإرهابية أقوى من وسائل الإعلام التقليدية

أما الدراسة الثانية التى استعانت بها، فهى دراسة بولندية تساءلت حول مدى تأثير صورة الإرهابى لدى المواطنين فى ردود أفعالهم نحو تدابير مكافحة الإرهاب، وانتهت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين لديهم صورة مغلوطة عن الإرهاب ومتعاطفة مع العناصر المتطرفة على أى نحو، كانوا أكثر ميلاً لرفض الإجراءات الاستثنائية والعقابية التى تتخذها الدولة، ورفضوا إقامة النظام الدفاعى الصاروخى الأمريكى الذى استعانت به الحكومة البولندية فى إطار عمليات مكافحتها للإرهاب.

وحذرت رسالة الدكتوراه من الدور السلبى الذى تقوم به بعض وسائل الإعلام فى تشكيل صورة مغلوطة عن الإرهابيين تساهم فى خلق حالة تعاطف معهم سواء بقصد أو دون قصد، وقالت إن إعلام «الجماعات الإرهابية» أثبت فى السنوات الأخيرة أنه أقوى من الإعلام التقليدى، حيث تمكن من شحن عدد كبير من المواطنين، والتأثير فى الحالة النفسية للشعوب، والتشكيك فى قدرة الدول والحكومات، وضربت الباحثة مثلاً بتنظيم داعش الإرهابى، قائلة: «داعش الإرهابى اعتمد على الإعلام بقوة، وتحديداً منصات السوشيال ميديا، واستطاع أن ينجح فى تنفيذ حملة ماركيتنج قوية لتنفيذ أكثر من مخطط بأكثر من رسالة مختلفة، منها تجنيد عناصر جديدة، أو خلق حالة من التعاطف، أو صناعة فجوة بين الرأى العام والدول»، وأوضحت «هاشم» أن الرسائل الإعلامية للتنظيمات الإرهابية اعتمدت على التنوع لمخاطبة أكثر من جمهور، وعدم المباشرة لتحقيق تأثير أوسع، وتابعت: «استخدموا كل أنواع الرسائل الإعلامية، والعديد من الاستمالات المختلفة للجمهور، دينياً واجتماعياً وسياسياً، بل اعتمدوا على الدعابة والتسلية أيضاً، مثل بعض صفحات النكات والقلش والكوميديا بل الطبخ أيضاً لتمرير رسائل غير مباشرة تخلق حالة من التعاطف مع الإرهابى والصدام مع الدولة، ورفض الإجراءات العقابية، وهو ما تجسد بصورة كبيرة عقب إعدام 9 متهمين نفذوا عملية اغتيال النائب العام هشام بركات، حيث ساهمت الصفحات غير السياسية التابعة للإخوان فى خلق حالة تعاطف مع الإرهابيين، رغم ثبوت الأدلة وصدور حكم قضائى بات».

د. عزة هاشم: الإرهابى لا يعانى خللاً نفسياً أو عقلياً.. ومسئول عن جرائمه بشكل كامل.. ووصفه بأنه مريض "مغالطة كبرى"

وشددت «هاشم» على أنه بالرغم من أهمية التنمية الاقتصادية ورفع مستوى التعليم والصحة، فإن تبنى أفكار متطرفة وإرهابية لا يعتمد على الفقر أو المستوى التعليمى أو مدى جودة الخدمة الصحية، وقالت: «الأمر لا علاقة له بفقر ولا إحباط ولا مستوى تعليمى ولا خدمات عامة، تبنى أفكار متطرفة هو استعداد شخصى لدى بعض الأفراد أولاً، تتم تغذيته من خلال وسائل التجنيد أو التأثير، وحالياً باتت وسائل الإعلام الحديثة تلعب دور البطولة فى صناعة الإرهابى عن أى أداة أخرى»، وعرضت «هاشم» مجموعة من التوصيات بناءً على رسالتها، بهدف تصحيح الصورة الذهنية عن الإرهابيين، ودعم الدولة فى حربها على الإرهاب، مؤكدة ضرورة إعادة النظر فى المحتوى الإعلامى وعدم الاعتماد على خطاب مباشر فى التعامل مع الظاهرة لأنه يأتى بنتائج عكسية، والاهتمام بتوعية الشباب بالمفاهيم الصحيحة، وتجنب التناول الذى من شأنه إثارة العاطفة مثل التركيز على الفقر أو المستوى التعليمى أو الثقافى، والفصل بين الإنسانى والواقعى، وإعادة النظر فى المناهج الدراسية لتضمينها رسائل غير مباشرة ضد الإرهاب والتطرف، وطالبت «هاشم» المؤسسات الدولية والحكومات ووسائل الإعلام بالاتفاق على تعريف محدد للإرهاب، مؤكدة أنه على الرغم من الاتفاق العام على رفض الممارسات الإرهابية، إلا أن الاختلاف ما زال قائماً بين الرؤى حيال من يمكن وصفه بـ«إرهابى» فى سياق، و«مناضل» يدافع عن حريته فى سياق آخر، وأضافت: «الحقيقة أن مفهوم الإرهاب نفسه ما زال محل جدل، انطلاقاً من تأثره بالأبعاد السياسية، وكونه يمثل أداة حرب لدى العديد من الأطراف التى ترفض توصيف بعض ممارسات العنف على أنها إرهاب، وهذا الارتباك يعد واحداً من عوامل عدة تعوق المواجهة الفاعلة للإرهاب، وتظهر أهمية التعرف على الصورة الذهنية للإرهابى وآليات تشكيلها».

صفحات الإخوان أسهمت فى خلق حالة تعاطف مع منفذى اغتيال النائب العام.. و"السخرية والكوميديا والقلش" أدوات للتأثير

ولاقت الرسالة إشادة كبيرة من جانب أعضاء هيئة المناقشة، التى ضمت: الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، عميد كلية الآداب الأسبق بجامعة القاهرة، والدكتور أحمد خيرى حافظ، أستاذ علم النفس بكلية الآداب بجامعة عين شمس، والدكتور محمد حسن غانم، أستاذ ورئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان مشرفاً.


مواضيع متعلقة