أهل «الجولان» يصرخون: أرضنا أغلى ما نملك وستظل سورية

كتب: محمد شنح

أهل «الجولان» يصرخون: أرضنا أغلى ما نملك وستظل سورية

أهل «الجولان» يصرخون: أرضنا أغلى ما نملك وستظل سورية

«الجولان له أصحابه ونحن أصحابه، نحن من حرث الأرض ومن زرعها منذ آلاف السنين».. بتلك الكلمات بدأ المزارع الجولانى الستينى نزيه سليمان حديثه معنا وهو يوقن بقلبه قبل عقله بـ«عودة أرضه التى انتزعها الاحتلال الإسرائيلى وقت نكسة 1967»، رافضاً «مرسوم ترامب الذى يعطى فيه ما لا يملك لمن لا يستحق، ويعترف بسيادة إسرائيل الكاملة على الأرض السورية، فى تحدٍّ واضح لإرادة أهلها فى تقرير مصيرهم، وخروج أمريكى جديد على الإجماع الدولى، وذلك بعد قرابة عام ونصف من قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيونى، مقلداً فى ذلك وعد بلفور الذى صدر قبل نحو 100 عام».

تحدَّوا مرسوم "ترامب" بالاعتصام فى "ساحة مجدل"

اعتراف «ترامب» الذى جاء بعد 3 أيام من تدوينته عبر موقع التواصل الاجتماعى «تويتر»، التى قال فيها: «بعد مرور 52 عاماً، حان الوقت لكى تعترف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل الكاملة على مرتفعات الجولان التى تتسم بأهمية استراتيجية وأمنية بالنسبة إلى إسرائيل والاستقرار الإقليمى»، أثار إدانات عالمية وعربية، ورفضه كثيرون، من بينهم الاتحاد الأوروبى، الذى قالت متحدثته الرسمية إن «الاتحاد لا يعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان».

يصف سليمان قرار ترامب بأنه «لا قيمة له، فالجولان عربى سورى، شاء من شاء وأبى من أبى، لا ترامب ولا نتنياهو ولا أى شخص آخر يستطيع أن يقرر شيئاً لأهل الجولان، هم وحدهم والدولة السورية من يقرر مصير أرضهم».

العجوز الجولانى، ابن منطقة «مجدل شمس»، يتذكر فى حديثه مع «الوطن» جرائم الاحتلال على أرضه والتى كان شاهداً عليها، حيث كان يبلغ من العمر 17 عاماً وقت النكسة، وكان شاباً فى بداية العقد الثالث من عمره عندما أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلى بيجن قراراً بضم الجولان عام 1981: «عاصرت وقتها القرار الباطل، ومن وقتها ونحن نعيش على أمل تحرير الأرض، ثم جاء ترامب بعد 38 عاماً ليطعننا، لكننا لن نتنازل عن حقنا فى الاستقلال حتى آخر نفس فى حياتنا»، مؤكداً: «عندما يريد الأحمق ترامب أن يُهدى نتنياهو فليُهدِه من جيبه، أو من ملكه الخاص، فليُهده واشنطن أو شيكاغو أو أى ولاية أمريكية، الجولان له أصحابه».

"سليمان": الإسرائيليون يبيعون لنا كوب الماء بأغلى ثمن.. و"آدم": المحتل يستغل بلادنا فى السياحة والتنقيب عن النفط

ويضيف: «الأمر لا يقتصر على انتهاك مقررات الشرعية الدولية باعتراف خرج على الإجماع الدولى، ولا يأخذ بعين الاعتبار قرار مجلس الأمن الدولى رقم 497 لعام 1981 بشأن بطلان القرار الذى اتخذته سلطات الاحتلال الإسرائيلى بفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها على الجولان السورى المحتل، وعلى اعتباره ملغى وليست له أى شرعية دولية، وإنما هو انتهاك لحقوق صاحب الأرض واغتصاب الحق فى الحياة»، موضحاً: «المحتل يبيع لى كوب الماء فى بلدى وأرضى وبأغلى ثمن، ويبيعه لجارى لأنه يهودى بأرخص ثمن»، وليس ذلك فحسب، بل إن معاناته كمزارع فى أرضه لا تنتهى: «الاحتلال يصادر أراضينا الزراعية، ولا يعطينا رُخَص بناء، يضيّق علينا فى أرضنا ومحصولنا، حتى يكسد منتجنا الزراعى، ليأخذه بأبخس ثمن».

ويضيف: «نحن غرباء فى بلدنا، حيث يحاول الاحتلال أن يقطع صلة رحمنا بوطننا الأم بشتى الطرق»، موضحاً: «يمنعنا من زيارة الأقارب فى سوريا، يمنع طلابنا من التعلم فى وطننا، يسمح بزيارة الوطن فقط لمن عمره أكثر من 60 عاماً، أما من كان قد سُجن فى إسرائيل على ذمة قضايا أمنية فلا يُسمح له بتاتاً بزيارة الوطن، ورغم كل ذلك فشلوا، نحن ننتمى إلى وطننا الأم سوريا، وسنبقى أوفياء لها مدى الحياة».

حقوق أخرى مسلوبة من أهل الأراضى المحتلة بمرتفعات الجولان، وثّقها واحد من أهلها بصوته وكاميرته، وهو عماد المرعى، مراسل «الإخبارية السورية»، الذى أشار فى حديثه لـ«الوطن» إلى بعض منها: «الاحتلال الصهيونى دمر 137 قرية ومزرعة، وهجَّر نصف مليون جولانى من أراضيهم وديارهم داخل الوطن الأم سوريا»، معتبراً مرسوم الرئيس الأمريكى «حبراً على ورق»، ومكملاً لقرار العدو الصهيونى عام 1981، بعد أن ضم القدس فى حينه وأيضاً الجولان المحتل: «إذ المشهد يتكرر الآن على القدس الشريف والجولان المحتل».

"المرعى": الاحتلال يقيم دويلات طائفية وقام بتهجير نصف مليون مواطن.. وقرار الرئيس الأمريكى "حبر على ورق يمزقه الجولانيون بصمودهم"

المراسل السورى الأربعينى، الذى يرفع كاميرته سلاحاً فى وجه الاحتلال منذ سنوات، ليوثق جرائمه، يواصل حديثه عن الجرائم الإسرائيلية التى تجاوزت اغتصاب حق أهل الجولان بالسلاح، بل أيضاً بتفريقهم بمخطط طائفى، مؤكداً أنه لم يتبقَّ سوى 5 قرى جولانية، صمد أهلها بأرضهم: «نتيجة ظروف مرتبطة بقرار صهيونى لإقامة دويلات طائفية، تعانى من بُعدها عن وطنها، وانقسام عائلاتها بين الاحتلال والوطن الأم سوريا»، إضافة إلى أسراها فى سجون الاحتلال، وشهدائها، الذين رسخوا موقفهم الصامد والرافض للاحتلال.

«آدم»، 45 عاماً، طبيب، لم يستطع أن يداوى جرحه كما يداوى أبناء الجولان من آلام الجسد، حيث صار غائراً فى روحه: «بلا دواء، ولن يزيله سوى استئصال الورم من جذوره، فبلدنا أغلى ما نملك.. الأرض عرض.. الأرض روح منها نستمد حب الحياة». ورغم مرسوم ترامب، ما زال متمسكاً بأمل الشفاء من «المحتل»، فهو يعلم أن «هذا القرار مخطط له من زمان، وخاصة بعد الشرذمة العربية، وضياع حقوق المواطن العربى والأرض العربية المحتلة».

معركة الطبيب الجولانى مع الاحتلال، هى معركة فكرية بالمقام الأول، فهو يقاومه بنشر ثقافة أهله، وتقاليدهم وتراثهم، حيث تحاول إسرائيل طمس معالمها بكل ما أوتيت من قوة: «نعامَل بأرضنا كسكان من الدرجة الثانية، والمستوطنات الإسرائيلية درجة أولى فى كل شىء، استولى المستوطنون على حقوقنا بقوانين وتشريعات بالكنيست وكأنى أنا مهاجر فاقد للشرعية بأرضى».

طمس هوية أرض «التفاح والكرز» على يد الاحتلال الإسرائيلى وثّقه «آدم» بكتاباته عشرات المرات، وحكى لـ«الوطن» عن بعض منه: «يطمسون جميع معالم الآثار العربية الحديثة والقديمة من الجولان، يحاولون بشتى الطرق تغيير الواقع التاريخى لعروبة الجولان، والتضييق على تعليم أبنائه»، وليس ذلك فحسب، بل يستغلون أراضيه للسياحة الإسرائيلية بكل المجالات، ويدعمون المستوطنين اليهود بجميع الإمكانيات، حتى البيئة الجولانية لم تنجُ من أفعالهم، بحسب شهادة الطبيب الأربعينى: «ينتفعون بأراضيه فى التنقيب عن النفط، وحتى إنتاج الطاقة الكهربائية من المراوح الهوائية على حساب أرضنا الزراعية».

رغم كل ما يعانيه الشعب الجولانى من ويلات على يد الاحتلال الإسرائيلى، وثّقها أبناؤه بشهاداتهم، فإنهم هبوا فى وجه المرسوم الأمريكى الذى صاحبته إدانات عربية وعالمية عديدة، قابلوه بصمود وموقف ثابت يؤكد انتماءهم للوطن الأم سوريا، بحسب وصف تفصيلى ونقل للأحداث وثّقه مراسل «الإخبارية السورية»: «دائماً نذكّر بالوثيقة الوطنية، والتى هى بمثابة دستور لأبناء الجولان المحتل، وقد سبقت الإضراب المفتوح عام 1982 رداً على ضم الجولان المحتل، واليوم المشهد يتكرر، لكن أبناء الجولان ما زالوا متمسكين بهويتهم العربية السورية»، مشيراً إلى أنهم أصدروا بياناً بهذا الخصوص فور قرار ترامب، وبدأوا اعتصاماً منذ السبت الماضى فى ساحة مجدل شمس بالجولان السورى المحتل، حيث وقف أجدادهم الفينيقيون قبل آلاف السنين فى «معابد وأبراج الشمس»، يتعبدون ويشيدون حضارتهم، ليتركوا على هذه الأرض ما يستحق الحياة.


مواضيع متعلقة