فى زمن السوشيال ميديا.. «العمدة المسيطر رزق»

فى زمن السوشيال ميديا.. «العمدة المسيطر رزق»

فى زمن السوشيال ميديا.. «العمدة المسيطر رزق»

انتشار وسائل التواصل الاجتماعى، واختلاف الثقافات التى ظلت سائدة فى مجتمع الريف لسنوات طويلة، وتغير أنماط الحياة وأساليب تفكير الشباب والانفلات الأخلاقى الذى صاحب الاضطرابات السياسية الأخيرة، واهتزاز صورة «الكبير»، وعدم استقرار الأوضاع الاقتصادية، أسباب تحالفت وتكتلت وأسهمت، فى إضعاف دور العمدة إلى حد كبير، حتى أصبح معظم العُمد لا يمتلكون الأدوات اللازمة لإحداث التأثير والتغيير المنشود فى قراهم، وهذه حقيقة اتفق عليها العديد ممن يجلسون على كرسى العمدية فى قرى الوجهين القبلى والبحرى، وإن كان بعضهم يرى أن دور العمدة ما زال قائماً فى حل بعض المشكلات بين أبناء القرية، لتخفيف الأعباء عن الأجهزة الأمنية وساحات المحاكم، التى أصبحت تعج بالمتقاضين، بجانب دورهم فى نشر قيم التسامح بين أبناء القرية، وإعلاء مصلحة الوطن.

"المفاتيح الذهبية للنجاح".. الهيبة والحكمة وقوة الشخصية والقدرة على التأثير واحتواء الجميع والقبول من الأهالى

نعم، أعترف بتراجع دور العمدة فى الوقت الراهن، مقارنةً بالماضى، نظراً لانتشار الوعى، وارتفاع نسبة التعليم، وانتشار ثقافة حقوق الإنسان، وتغير طبيعة الأجيال الجديدة، التى أصبح معظم أبنائها لا يحترمون «الكبير»، وهو ما أحدث فجوة بين جيل الكبار والشباب، نظرا لعدم تأثير الآباء على الأبناء، هكذا شرح إسماعيل درويش مصطفى، عمدة قرية منشية الذهب القبلية، التابعة لمركز المنيا، طبيعة الوضع الحالى، معتبراً أن منصب العمدة يحتاج إلى مواصفات ومقومات جديدة، أبرزها أن يكون مثقفاً وعلى درجة من العلم، ومطلعاً على كل ما يدور حوله، ومقبولاً بين الأهالى، ومتفهماً لطبيعة وظروف قريته، كما أنه يحتاج إلى أدوات جديدة تمكنه من حل النزاعات بين أبناء القرية، لأن الطرق التى كانت متبعة قديماً أصبحت لا تناسب الجميع، فبعد أن كان يتم الاعتماد على كبار ورموز العائلات لحل أى أزمة، من خلال التوفيق وتقريب وجهات النظر، أصبح الآن هناك عدد كبير من الأهالى، خاصةً بين الشباب، لا يقدرون الكبير ويتجاوزونه فى كثير من الأمور.

«الظروف تغيرت كثيراً، وتزايدت المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ما أدى إلى تراجع الدور المؤثر للعمدة فى كثير من القرى، لأن تركيبة العائلات تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الـ10 الأخيرة، حيث كنا نعتمد على كبار العائلات فى حل المشكلات المتعلقة بخلافات الأراضى الزراعية، أو المشاجرات الناتجة عن خلافات الجيرة، أو غيرها، حتى الخصومات الثأرية، التى لها خصوصيتها فى الصعيد، كان يمكن تسويتها بسهولة، ورغم كل هذا التغيير، ما زلنا نتعامل مع لجان المصالحات لحلها، بالتنسيق مع أجهزة الأمن، لأن بعض المتخاصمين، حينما يلجأون إلى أقسام الشرطة، يشعرون بالتعب والمشقة، لأن مثل هذه الخصومات تأخذ وقتاً طويلاً لحسمها»، هكذا تحدث فيصل على خليفة، عمدة قرية جلال الشرقية بمركز ملوى.

"عُمد" المنيا والغربية: نخفف العبء على "الداخلية".. والمشاكل الحالية 4 أضعاف ما كانت عليه قبل 10 سنوات.. وتغير تركيبة العائلات سبب الأزمة

وحول ضعف الدور المؤثر للعمدة فى قرى الغربية خلال السنوات الأخيرة، قال طاهر خليل، عمدة قرية قليب أبيار، التابعة لمركز كفر الزيات، : «قبل 10 سنوات، لم يكن أحد يجرؤ على تقديم بلاغ ضد جاره أو ابن قريته إلى مركز الشرطة قبل التوجه أولاً إلى عمدة القرية، وعرض شكواه عليه، لكن الآن أصبح الابن له كلمة على أبيه فانهارت هذه المنظومة، مضيفاً أن دور العمدة فى حل الخلافات بين أبناء القرية أصبح ضعيفاً، بسبب انفلات الأخلاق واختفاء دور الكبير، الأمر الذى أدى إلى تزايد المشاكل بين أبناء القرية الواحدة، إلى أكثر من 4 أضعاف ما كانت عليه فى السابق، رغم أنها فى غالبيتها تكون لأسباب «تافهة»، تتعلق بالمواريث والخلافات الأسرية والزوجية.

وأكد «خليل» أن العمدة يستمد قوته وتأثيره فى مهام منصبه، من قوة شخصيته، ووضعه وهيبته بين أبناء قريته، ومن خلالهم يمكنه فرض كلمته على طرفى المشكلة، مشيراً إلى أن للعمدة دوراً كبيراً فى معاونة الأجهزة الأمنية والمحاكم لإنهاء الكثير من الخلافات والمشاكل التى تحدث بين أبناء القرية، ولا يمكن التخلى عنه، خاصةً فيما يتعلق ببعض القضايا السياسية، ومحاربة أصحاب الفكر المتطرف، لأن العمدة يكون من أبناء القرية، وعلى معرفة بالجميع فى قريته، وتوجهاتهم السياسية، مشدداً على أن اختفاء كبير العائلة تسبب فى صعوبات كبيرة أثناء محاولة حل المشاكل، والصلح بين طرفى المشكلة، ما يضطر العمدة، فى بعض الأحيان، إلى تصعيد المشكلة، وإرسال الطرفين إلى مركز الشرطة، والاحتكام إلى القضاء، وبالتالى تطول فترة النزاع وتتفاقم المشكلة.

وبالنسبة للأدوات التى يمتلكها العمدة فى حل الخلافات بين أبناء القرية، قال إنه بعد لجوء المتخاصمين للمحكمة، لا يمتلك العمدة أى سلطة للتدخل فى حل المشكلة سوى قوة شخصيته وهيبته بين أبناء القرية، وتابع: «فى الماضى كان للعمدة هيبة، وكانت هناك أخلاق واحترام للكبير، وكنا وقتها نلتزم بكلمته وكأنها سيف على رقبتنا، أما الآن فنسعى لحل المشكلة من خلال الجلسات العرفية، وفى حالة عدم التزام أى من الطرفين، يتم إرسال الشكوى إلى مركز الشرطة، لكن ما يتمتع به العمدة من حب واحترام بين أبناء قريته هو العامل الرئيسى فى الدور الذى يقوم به حالياً، ولو العمدة مش محبوب بين أبناء القرية، أى اتنين تحصل بينهم مشكلة، هيطلعوا بيها على المركز، ولن يلجأوا إليه».

ويرى أحمد حامد كيوان، عمدة قرية السيالة بدمياط، أن العمدة أصبح منصبه إشرافياً، لكن المصلحة العامة تقتضى تدخله لحل الكثير من الخلافات بين أبناء القرية، خاصةً ما يتعلق بنزاعات الحيازات الزراعية، والخلافات الزوجية، مؤكداً أن منصب العمدة ما زال مؤثراً فى قريته، خاصةً فى المشاكل الزوجية، التى تمثل نحو 90% من مشاكل القرية، مشيراً إلى أنه رغم عدم صدور قرار رسمى بتعيينه فى منصب العمدة، فإنه يسهم فى حل الكثير من المشكلات، التى تسهم الشائعات فى تفاقمها، وهو ما يحاول التصدى له، بمعاونة كبار العائلات فى القرية.

وقال عزت أبوالنصر، عمدة قرية «شبراباص» بمحافظة المنوفية، إن الفترة التى أعقبت انتخابات 2010، و«ثورة 2011»، شهدت حالة من «الانفلات الأمنى»، وكانت من أصعب الفترات التى مرت على مصر، وتأثر بها المواطنون فى مختلف القرى، لكن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى حكم البلاد بعد «ثورة 30 يونيو»، أعاد الاستقرار من جديد إلى مؤسسات الدولة، ومن بينها العمدية، فبدأ العمدة يستعيد بعضاً من دوره المؤثر فى حسم الكثير من النزاعات بين أبناء القرية، لأنه يستمد قوته من رصيد المحبة والاحترام له لدى أهالى القرية»، وهى فى النهاية سلطة معنوية، تزيد أو تقل بحسب علاقة العمدة مع أهل قريته، ومكانته عندهم، وليست بحكم سلطة القانون.

وأضاف «أبوالنصر» أن العمدة هو حائط الصد الأول للدولة وللأجهزة الأمنية، لحل المشاكل الاجتماعية بين المواطنين، ومنع تفاقم الخلافات والمشاجرات بين الأهالى، مشيراً إلى أن الجلسات العرفية أثبتت جدواها فى أغلب الأوقات، حتى إن مديرية الأمن تلجأ إلى التحكيم العرفى فى بعض الأحيان، لإنهاء الخصومات الثأرية بين العائلات، واعتبر أن النجاح الحقيقى لعمدة القرية، يتمثل فى عدم خروج أى مشكلة خارج القرية، أو وصولها إلى مركز الشرطة، وحلها فى مهدها، قبل تفاقمها، من خلال الاستعانة بمشايخ القرية وكبار العائلات.


مواضيع متعلقة