المؤيدون: لن نتأثر بترجمة كتاب.. والرافضون: لسنا فى حاجة للثقافة الإسرائيلية

كتب: إلهام زيدان

المؤيدون: لن نتأثر بترجمة كتاب.. والرافضون: لسنا فى حاجة للثقافة الإسرائيلية

المؤيدون: لن نتأثر بترجمة كتاب.. والرافضون: لسنا فى حاجة للثقافة الإسرائيلية

أكد عدد من المثقفين أن الترجمة عن العبرية بدأت منذ القرن الماضى، إلا أن الحساسية الثقافية بين الطرفين بدأت تنمو بعد حروبنا مع الكيان الصهيونى، لافتين إلى أهمية معرفة الآخر، سواء فى حالات الحرب أو السلم، فيما اختلف البعض مطالباً بعدم الترجمة عن العبرية بشكل مطلق، بدعوى أننا لسنا فى حاجة إلى الثقافة الإسرائيلية.

من جانبه، أكد الناقد شعبان يوسف ضرورة التعرف على الثقافة الإسرائيلية دون التعاون المباشر معهم، وأن المركز القومى للترجمة لديه رؤية تستند على عدم الترجمة من اللغة العبرية مباشرة، وإنما عبر لغة وسيطة أو أى آلية لتجنب التعامل المباشر مع إسرائيل.

واستشهد «شعبان» بعدد من الأمثلة للترجمة عن العبرية فى أوقات سابقة، منها سلسلة كتب كانت تصدر فى الستينات اسمها «اعرف عدوك»، وتجربة لكاتب يُدعى إبراهيم عزت، كان يعمل فى مجلة روزاليوسف، يذهب كل عام متخفياً إلى إسرائيل، ويترجم مطبوعات من هناك، لكنه لم يضع اسمه على ترجماته، وكتاب صدر فى عام 1954 بعنوان «الصلح مع إسرائيل» لمؤلف اسمه حبيب الإمام، وهيئة الاستعلامات كانت تترجم عن العبرية مباشرة.

شعبان يوسف: الحساسية المفرطة تجاه العلاقات الثقافية بين الطرفين بدأت تنمو بعد حربَى 1967 و1973 ثم معاهدة كامب ديفيد

وأضاف: «ما زال عندى إصدارت منها إلى الآن، ولم تحدث حولها أى ضجة، وأذكر دار نشر متخصصة فى الأدب العبرى فى مصر تحت اسم دار (القومية العربية)، يملكها ناشر مصرى يسارى اسمه أمين المهدى، وكان يترجم كتباً تحت شعار (اعرف عدوك)، لكنه طُرد من أوساط المثقفين بأشكال مختلفة رغم عدم ذهابة إلى إسرائيل على الإطلاق، كانت هناك علاقات ثقافية مع إسرائيل بطرق مختلفة».

وتابع «شعبان»: «صدر أيضاً كتاب آخر بعنوان (رسائل بن جوريون إلى زوجته)، وهو مترجم منذ سنوات طويلة، وترجمته دينا عبدالحميد القرينة الأولى للملك حسين ملك الأردن، والشاعر الفلسطينى محمود درويش كتب فى مقتبل عمره 8 قصائد باللغة العبرية».

مصطفى عبادة: ترجمة الفكر العبرى مهمة للغاية لمعرفة كيف يفكر الآخر.. شرط أن تتولاها جهة حكومية لأنها لن تُتهم بالتطبيع الثقافى

وأوضح أن الحساسية المفرطة تجاه العلاقات الثقافية بين الطرفين بدأت تنمو بعد حربَى 1967 و1973، ثم معاهدة كامب ديفيد، مشيراً إلى أن الثقافة ترتفع عن الخلافات السياسية الحادة، وهذا لا يعنى بالضرورة وجود علاقات مباشرة مع إسرائيل.

من جهته، أكد الكاتب حمدى أبوجليل أننا فى أشد الحاجة إلى الترجمة من كل لغات العالم، والرئيس عبدالناصر أنشأ قسماً للدراسات العبرية، ومن المفترض ألا تتوقف الترجمة عند لغة بعينها، مضيفاً: «نهتم فقط بترجمة أدبنا العربى إلى اللغات الأخرى، ومن المفترض أن عملية الترجمة تخص المترجَم إليه، لتحقيق الفائدة مما تنتجه الثقافات الأخرى».

وتابع «أبوجليل»: «هناك حساسية بلهاء من اللغة العبرية، وطالما وُجد ما يستحق الترجمة والنقل فلا بد أن نتخذ قرار الترجمة دون التعامل مع الأمر بهذا الشكل، وهناك مبدأ (اعرف عدوك)، فالذين يرفضون فكرة الترجمة من باب العداء من أين لهم معرفة هذا العدو؟».

وأوضح ضرورة النظر إلى الموضوع الثقافى والفكرى بشكل مجرد من المحبة أو العداء، وهذا الكائن الذى يسمى إسرائيل فى وسط الدول العربية لديه منتج فكرى، والشعوب لا تتطور وتتحضر وتقبل التنوع إلا بالترجمة، بحسب رأيه، ومن المفترض أن نكون على ثقة بأنفسنا، وفى دولة عظيمة كمصر، لن نتأثر بترجمة كتاب من اللغة العبرية، لافتاً إلى أهمية أن يحمل النص المترجَم إفادة لنا نحن العرب.

حمدى أبوجليل: طالما وُجد ما يستحق النقل فلا بد أن نتخذ قرار الترجمة فوراً.. والذين يرفضون الفكرة من باب العداء من أين لهم معرفة هذا العدو؟

واعتبر الكاتب مصطفى عبادة أن ترجمة الفكر العبرى مهمة للغاية لمعرفة كيف يفكر الآخر، شرط أن تتولى الترجمة جهة حكومية، لأنها إذا فعلت فلن تُتهم بالتطبيع الثقافى، وفى المقابل لو بادر الأفراد أو المؤسسات الخاصة من تلقاء أنفسهم بالاتصال بالجهات الإسرائيلية سيتورطون فى اتهامات بالتطبيع مع الكيان الصهيونى، مشيراً إلى القرارات التى اتخذتها كل النقابات المسئولة بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيونى، لافتاً إلى أهمية الترجمة للتحصين الشعبى ضد مزاعم إسرائيل التى تدّعى ملكيتها لكل شىء بما فى ذلك أغانى التراث، وما تترجمه إسرائيل فى العام الواحد يساوى ما يترجمه العرب جميعاً.

وأضاف «عبادة»: «موقفنا السياسى ضد الصهيونية، لكن علينا عدم الخلط بين السياسى والثقافى والفكرى، ومع ذلك فلا يستطيع مثقف يملك ضميراً حياً أن يقبل العدوان الإسرائيلى، لكن هذا لا يمنع أن نسعى لمعرفة كيف يفكر هذا الكيان الغاصب، وهذا دور الترجمة، ولنسأل أنفسنا فى البداية: هل فى إسرائيل ما يستحق الترجمة؟ وأرد على ذلك بوجود قطاع فى الثقافة الإسرائيلية يسمى بالمؤرخين الجدد الذين يعيدون النظر فى كل المسلمات اليهودية، وينبغى أن نعرف هذه الجماعة وكيف تفكر، وهناك كتاب مهم جداً اسمه (تهويد التاريخ.. عصور فى فوضى) لمفكر يهودى اسمه إيمانويل فليكوفسكى، ويعتبرونه الكتاب رقم 2 بعد كتاب موسى النبى، لأن هذا الرجل كرّس عمره لإعادة صياغة التاريخ القديم بما يخلق لليهود دوراً فى حضارات الشرق القديم، وهذا الكتاب تُرجم مصحوباً بمقدمة للرد على هذه المزاعم، لكن علينا التعرف على الكتب الأخرى المناقضة لهذا الكتاب، وأظن أن هناك مؤرخين جدداً فى إسرائيل ينقدون هذه النظرية لكننا لا نعرفهم».

وقال الكاتب صبحى موسى إن الترجمة فى العموم ضرورية ومهمة لانتقال الأمم من درجة حضارية إلى درجة أعلى، أما فيما يخص الترجمة عن اللغة العبرية، فنحن لدينا عائق سياسى يخص المشاعر العامة، ويجب احترامه، فإسرائيل عدو مغتصب غير ملتزم بأى قانون أو عرف دولى، ومصر تملك فى الصراع العربى الإسرائيلى أكثر مما يملك الفلسطينيون، ويجب عدم تمرير ثقافة هذا العدو أو تمرير فكر اليسار الإسرائيلى تحت ستار «اعرف عدوك»، مشيراً إلى أن كلمة اليسار تحمل فى جعبتها الكثير من الأوراق المموهة التى تسمح بتمرير أفكار وتبريرات تجعلنا نتنازل عن الدماء التى أهدرت على الأراضى العربية.

وأضاف «موسى»: «لا أعتقد أن إسرائيل ككيان مؤثرة فكرياً فى العالم، فيمكننا النقل عن الثقافات الأخرى، واستبعاد الترجمة عن إسرائيل، فهى لا تزيد عن قطر فى العالم، ويكفينا تأسيس المراكز العلمية المتخصصة فى مجال الترجمة، على ألا تكون متاحة للعمل الجماهيرى كالترجمات الأخرى»، لافتاً إلى أن من يرغبون بالتطبيع مع إسرائيل يتستّرون خلف هذه الحيل، أو بحجة أن الكيان الصهيونى يترجم الأدب العربى، لكنهم يفعلون ذلك لاحتياجهم إلينا أما نحن فلا تمثل الثقافة الإسرائيلية لنا أى ضرورة.

وأكد المؤرخ والباحث الفلسطينى عبدالقادر ياسين، المقيم فى مصر، أن الموقف السياسى هو السيد فى قضية الترجمة، والترجمة عن إسرائيل ليست مقبولة أو مرفوضة فى المطلق، فهناك كتب تصدر فى إسرائيل ضد قضية الشعب الفلسطينى، لأن الثقافة الإسرائيلية تروّج أن لها حقاً فى الأراضى الفلسطينية والحجاز، وفى المقابل ليس كل كتاب يترجم عن العبرية يُعتبر تطبيعاً مع إسرائيل، والقضية لا تنفصل عن التوجهات السياسية، والمؤسسة الرسمية فى مصر وطنية بشأن القضية الفلسطينية، ومن الأفضل أن تخضع الترجمة عن العبرية إلى لجنة متمكنة من العبرية، تتمتع بحس وطنى عالٍ لتعريف المواطن العربى بالعدو.

وعن تاريخ الترجمة عن العبرية من قبَل مؤسسات فلسطينية، يقول «ياسين»: «كانت هناك عدة مؤسسات منها مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية فى بيروت، وهو تابع للرئيس ياسر عرفات، يصدر سلسلة (اعرف عدوك)، ويرأس المركز الباحث أنيس صايغ، وبدأت السلسلة فى الصدور أواخر سنة 1964، واستمر العمل حتى مغادرتنا بيروت، وأغلقته الحكومة اللبنانية فى 1984، ثم انتقلت السلسلة إلى قبرص وأغلق هناك فى 1994، وعاد المركز فى 2018 إلى رام الله، ويتبع الرئيس محمود عباس.

والسلسلة المطبوعة كانت عبارة عن كراسات صغيرة للتعريف بالقضية الفلسطينية لمحو أمية الأجيال، وكنت مندوب مركز الأبحاث فى القاهرة فى السبعينات، كما كان المركز يصدر كتباً أكاديمية ضخمة تتناول القضية بعمق، وكتباً صغيرة بعنوان (دراسات فلسطينية)، وتهدف للتعريف بالصهيونية، وبعض هذه الكتب لمؤلفين عرب وفلسطينيين، والبعض الآخر ترجمة عن الإصدارات الإسرائيلية، وانقطعت السلسلة عندما ترك المركز الدكتور أنيس صايغ، وحل محله الشاعر محمود درويش، من فبراير 1976، إلى يوليو 1978، ولم يكن متخصصاً بالأبحاث، فلم يهتم بالموضوع وقدّم استقالته بعد سنة ونصف، والمركز لم ينشط فى رام الله، فلكل زمان رجاله».


مواضيع متعلقة