أحمد عبد الظاهر أحمد عبد الظاهر محاكم المستقبل.. إدارة المخاطر
10:03 م | الإثنين 22 أبريل 2019

فى محاضرة تشرفت بإلقائها فى أكاديمية أبوظبى القضائية، لخريجى كليات القانون المتقدمين للقيد بجدول المحامين المقبولين أمام محاكم دائرة القضاء، تطرق الحديث إلى موضوع «التقاضى الإلكترونى»، حيث أشار البعض إلى المخاطر التى يمكن أن تكتنف هذا النوع من التقاضى، مثل انقطاع خدمة الإنترنت لأى سبب من الأسباب، الأمر الذى يؤدى إلى تعطل مرفق القضاء. والواقع أن هذه المخاطر ممكنة الحدوث، ولا ينكر أحد إمكانية تحققها، فعلى سبيل المثال، وفى شهر يناير الماضى، حدث عطل فى نظام التقاضى الإلكترونى بوزارة العدل البريطانية، الأمر الذى تسبب فى فوضى عارمة وتأجيل الجلسات لمدة أسبوعين، وفى شهر أغسطس من العام الماضى، وعلى أثر الإعصار الذى اجتاح ولاية كاليفورنيا، تعطل نظام التقاضى الإلكترونى، وتم الاستعاضة عنه مؤقتاً بالتقاضى الورقى.

والواقع أن مخاطر تعطل النظام القضائى لا تقتصر على المنظومة الإلكترونية، وإنما تمتد إلى التقاضى العادى التقليدى، بل إن المخاطر التى تكتنف التقاضى الورقى أعلى بكثير من مخاطر التقاضى الإلكترونى، وللتدليل على ذلك، يكفى أن نشير إلى بعض الأحداث التى وقعت على أرض مصر، ونعنى بذلك الأزمات التى تحدث بين المحامين والقضاة من حين إلى آخر، فخلال السنة الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق «حسنى مبارك»، حدثت أزمة كبيرة بين المحامين والقضاة، وذلك على أثر قيام اثنين من المحامين بالاعتداء على مدير نيابة طنطا، وتمت إحالتهما إلى محاكمة عاجلة، حيث صدر الحكم بحبسهما لمدة خمس سنوات، واحتجاجاً على هذا الحكم، تجمع مئات المحامين أمام محكمة طنطا، مهددين بمنع أعضاء النيابة العامة من دخول مكاتبهم، وقبل أن يمر أكثر من بضعة أشهر على ثورة 25 يناير، وبمناسبة إعداد مشروع قانون للسلطة القضائية، حدثت أزمة أخرى أشد وطأة وأكثر حدة، حيث اعترض المحامون على مشروع القانون، مؤكدين أنه ينتقص من حصاناتهم وحقوقهم خلال أداء أعمالهم أمام المحاكم، وتصاعدت أزمة جناحى العدالة، حيث بلغ التصعيد ذروته ووصل الأمر إلى حد إغلاق بعض المحاكم بالجنازير والأقفال والتهديد بتعطيل العمل فى مرفق القضاء برمته، وقام المحامون فى بعض المحافظات بتنظيم وقفات احتجاجية أمام بعض المحاكم، حيث منعوا القضاة والمواطنين من الدخول، ولا يفوتنا كذلك التذكير بواقعة حصار المحكمة الدستورية العليا بواسطة جماعات الإسلام السياسى، لمنعها من نظر بعض الدعاوى المعروضة عليها. ولا يجوز أن ننسى تأجيل العديد من جلسات المحاكمات المنعقدة أثناء فترة الفراغ الأمنى الذى أعقب ثورة 25 يناير، بسبب صعوبة تأمين نقل المتهمين من أماكن الحبس إلى قاعات المحاكم.

المهم إذن هو أن تكون لدى مرفق القضاء خطة للتعامل مع المخاطر وإدارتها واعتماد خطة للتعافى من الكوارث واستمرارية الأعمال، على النحو الذى يضمن استمرار الخدمة فى كل الظروف والأحوال. ولمعاونة صانع القرار فى بلادنا على اتخاذ هذه الخطوة، نرى من المناسب الإشارة إلى بعض أفضل الممارسات الدولية فى هذا المجال، ففى ولاية كاليفورنيا اعتمد مجلس القضاء خطة التعافى من الكوارث (Disaster Recovery Plan) المعدة من قبل اللجنة الاستشارية لتقنية المعلومات، وتقع فى (17) صفحة، ويمكن الإشارة أيضاً إلى دليل أمن المحاكم - العناصر الأساسية لأمن المحاكم والاستعداد للطوارئ، المعد من قبل لجنة (CCJ /COSCA)، ويقع فى 166 صفحة، ومن الممارسات المثلى أيضاً، دليل إدارة الطوارئ فى المحاكم المعد من قبل معهد الممارسات المثلى لمركز المحاكم الأمريكية القومى (NCSC)، ويقع فى 12 صفحة. كذلك، قامت محكمة فريدريكسبيرغ باعتماد خطة التعافى من الكوارث واستمرار العمليات، وتقع فى 25 صفحة. ولإعداد خطة لإدارة المخاطر، يمكن الاستعانة بالشركات الاستشارية الخاصة، على نحو ما فعل مجلس مينيسوتا للقضاء، الذى طلب تقديم عروض لبرنامج التعافى من الكوارث والخدمات الاستشارية. هذه هى الصورة فى محاكم المستقبل، فهل يستجيب القائمون على إدارة المحاكم فى بلادنا؟ والله من وراء القصد.

تعليقات الفيس بوك

عاجل