هارب من جحيم «حماس».. أصغر مهاجر فلسطينى غير شرعى: دفعت أموالاً إلى نجل قيادى فى الحركة لتسهيل سفرى

كتب: محمد الليثى

هارب من جحيم «حماس».. أصغر مهاجر فلسطينى غير شرعى: دفعت أموالاً إلى نجل قيادى فى الحركة لتسهيل سفرى

هارب من جحيم «حماس».. أصغر مهاجر فلسطينى غير شرعى: دفعت أموالاً إلى نجل قيادى فى الحركة لتسهيل سفرى

تحمل شعوب الوطن العربى من أقصاه إلى أدناه، هموماً تجاه الشعب الفلسطينى، والقضية الفلسطينية التى تواجه انقساماً داخلياً، واحتلالاً استباح لنفسه الأرض وبنى فوقها دولة مزعومة، واستحل دماء شعبها، وسعى إلى طرده منها، فمارس التعسف ضد الحكومة الفلسطينية فى الضفة، وشن حروباً غير متكافئة على قطاع غزة، وحاصر أهلها لتهجيرهم منها، وأمام هذه الظروف القاسية، هناك من يصمد فى وجه العدوان، وهناك من لا يقوى على الوقوف أمام موجة الإرهاب الإسرائيلى، فقرر الخروج إلى مكان أو وطن بديل، بحثاً عن الحياة الكريمة. ربما سيناريو الخروج من القطاع مناسب للرجال ممن عجزوا عن إعالة أسرهم، فجازفوا بحياتهم، وخرجوا بطرق غير شرعية إلى أوطان بديلة، لكن اللافت أن يكون بين هؤلاء أطفال وفتيات. «الوطن» تقدم جانباً لقصة ميلودرامية للقضية الفلسطينية، تكشف سوء الأوضاع التى حلت بقطاع غزة، والتى اضطرت الأطفال إلى الهجرة.. بمفردهم.

بينما يذهب إلى مدرسته يومياً حاملاً هموم مواده الدراسية التى لم تصل كتبها إلا قبل الامتحان لظروف الحصار، يقع الطفل الذى لم يبلغ عامه السادس عشر بعد فى حيرة بين أمرين، الاستمرار فى قطاع غزة والبحث عن عمل بجانب الدراسة -إن وُجد- أو يترك قطاع غزة بحثاً عن وطن بديل يعمل فيه من أجل الحصول على الأموال لمساعدة أسرته بعد وفاة والده، الذى ترك زوجته وحيدة، مسئولة عن إعالة أربعة أبناء، من دون مصدر دخل، فى ظل أوضاع اقتصادية هى الأسوأ فى الوطن العربى.

"الشغنوبى" لـ"الوطن": الحصار دفعنى إلى ترك الدراسة وخوض مغامرة الهجرة عبر 3 بلدان وصولاً إلى بلجيكا

«الوطن» عايشت رحلة «محمود منذر الشغنوبى»، أصغر مهاجر غير شرعى فلسطينى، خرج بمفرده من قطاع غزة هادفاً الوصول إلى أوروبا للعمل فيها، شأنه شأن الكبار، باحثاً عن الاستقرار بعيداً عن الحروب التى يشنها الاحتلال الإسرائيلى بصورة متواصلة على غزة، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ليتنقل الشاب من مكان إلى آخر وبلد إلى آخر، بدءاً من مصر وتركيا واليونان وصولاً إلى بلجيكا، البلد الأوروبى الأكثر تساهلاً فى استيعاب اللاجئين الفلسطينيين.

«فى العادة يخرج الشباب من عمرى مع أهاليهم مهاجرين لأوروبا، ولكن أنا قررت أن أذهب إلى أوروبا بمفردى، لمساعدة عائلتى، والله إحنا مشردين فى البلد، وضعنا فى قطاع غزة تحت الصفر».. بهذه الكلمات بدأ الفتى الفلسطينى حديثه لـ«الوطن»، شارحاً سبب هجرته للمكان الذى نشأ فيه، ولم يخرج منه قط، حتى دفعته «الظروف الصعبة» من تعليم وظروف عمل وضرائب ووضع أمنى لخوض التجربة التى تعرضهم للمخاطر بأشكال مختلفة، وتصل للموت، إما فى البحر أو من قطاع الطرق أو عبر المرور من الغابات لتجاوز حدود دولة إلى أخرى، بتنسيق مع أحد المهربين الذى يتلقى آلاف الدولارات لإتمام تلك العملية غير المضمونة.

أمضيت 3 أسابيع فى طنطا ثم توجهت إلى تركيا واليونان عبر التهريب.. وأنوى العمل والدراسة فى بلجيكا

«الشغنوبى» لم يكن يتوقع أنه سينهى تعليمه عند الصف الثالث الإعدادى، فلم تكن الهجرة والسفر من مشروعاته، وأقصى توقعه كان البقاء فى قطاع غزة، لكنه قرر أن يكمل دراسته فى «بلجيكا»، إلى جانب العمل، يقول: «السفر الآن أصبح ضرورياً أكثر من المدرسة، فظروفنا الاقتصادية صعبة جداً فى قطاع غزة، تخيل الأسعار فى القطاع تحت الحصار، لتر البنزين 7 أضعاف سعره فى مصر، والطعام، والدخان، فعلبة السجائر يصل سعرها إلى 20 و30 شيكلاً إسرائيلياً، الحياة لدينا معدومة بمعنى الكلمة»، لافتاً إلى وفاة والده شاباً قبل أن يتم عامه الأربعين، تاركاً 5 أبناء، اثنان «توأم» بينهما بنت، وأخ أصغر منه، وآخر يكبره بـ3 أعوام، لكنه لا يعمل لظروف القطاع الصعبة.

أصبت فى مسيرات العودة على الحدود مع الاحتلال الإسرائيلى والحركة تتعامل مع الشعب الفلسطينى على طريقة الميليشيات

بعد وفاة والده الذى عمل فى شركة دهانات خاصة، لم تكن لأسرة «منذر» أى مصادر للدخل، فأصبح أمامهم حل وحيد وهو الهجرة، وهى الخطوة التى اتخذها «الشغنوبى» فى البداية متجهاً إلى مصر، ومن بعدها تركيا، ليبدأ رحلة غير شرعية مروراً بالغابات والبحر، وصولاً إلى «بلجيكا»، وهى الخطوة الأولى لتأمين الطريق لأسرته التى تنوى بيع المنزل والهجرة، بحثاً عن ملجأ ووطن جديد هادئ يعيشون فيه. رغم عمره الصغير إلا أن شأنه شأن كل أطفال غزة ممن تربوا على درجة كبيرة من الوعى بالقضية الفلسطينية، وقمع الاحتلال الإسرائيلى تجاه القطاع المحاصر، الذى لا يملك أدوات الدفاع عن نفسه فى مواجهة الطائرات والأسلحة الإسرائيلية، فشارك «الشغنوبى» فى مسيرات العودة التى خرجت على مدار عام كامل للاحتجاج على حدود القطاع شمالاً من الناحية الإسرائيلية، مُحدثة قلقاً لجيش الاحتلال فى منطقة غلاف غزة، وللمستوطنين الإسرائيليين أيضاً نتيجة البالونات الحارقة التى يتم إطلاقها وتهبط على الأراضى الزراعية الإسرائيلية فتتسبب فى حرقها، وأصيب خلالها «الشغنوبى»، وتحديداً فى 14 مايو 2018. خيط الرحلة الأول التقطه «الشغنوبى» من خلال بعض الشباب الذين يكبرونه بأعوام، بعضهم سبقه إلى أوروبا، والبعض الآخر ما زال فى القطاع لكنه عقد العزم على الهجرة، فاتجه إلى مصر فى 17 فبراير من العام الحالى، يقول: «دخلت إلى مصر ومكثت 3 أسابيع عند أبناء عمى فى طنطا، ثم سافرت بعدها إلى تركيا بعد الحصول على تأشيرة دخول لفترة محددة». حتى يمر المواطن من قطاع غزة إلى مصر لا بد أن تكون هناك أسباب محددة ومُوثقة بين الدراسة أو العلاج، إلا أن هناك من يريد أن يخرج من القطاع لأى غرض آخر، لذا لا بد أن يلجأ إلى ما يُسمى بـ«التنسيق»، ويتم بين جهتين، الأولى من داخل قطاع غزة متمثلة فى الفصائل أو حماس، والجهة الأخرى هى الجهات الأمنية المصرية، وقال الدكتور أيمن الرقب، المحلل السياسى الفلسطينى، إن التنسيق يكون مجاناً من قبل الجهات الأمنية، ولكن هناك من يستغل الأمر من الجانب الفلسطينى، وهو «الوسيط» الذى يتعامل مع الأمر كتجارة، مشيراً إلى أن السعر يصل فى بعض الأحيان إلى أكثر من ألفى دولار، وهو الطريق الذى لجأ له «منذر» لبدء رحلة الهجرة.

الوضع الإنسانى فى غزة مخيف ندرة فى الوظائف والطعام.. ولتر البنزين 7 أضعاف سعره فى مصر

1350 دولاراً أمريكياً، شارك فيها خال والدته بـ50 دولاراً، كان ثمن التنسيق للخروج من القطاع فى 3 أيام عبر وسيط يدعى «حيدرة عقل»، وعلق «الشغنوبى» قائلاً: «مكنتش بحبه، وتعاملت معه عشان مصلحتى لأسافر وأهاجر من هذه البلد بسبب هذه الشخصيات»، واتهم «الشغنوبى» حركة «حماس» باستغلال الوضع، وكشف عن وجود عدد من العاملين بالحركة يتولون دور الوسيط، بينهم نجل القيادى الحمساوى «محمود الزهار»، وهو «محمد محمود الزهار»، الذى تعامل معه من خلال «حيدرة عقل»، مضيفاً: «حركة حماس السبب فى الوضع الحالى، نطالب حكومة حماس بالتخلى عن قطاع غزة، وإنهاء الانقسام وإلغاء مسيرات العودة التى أسفر عنها شهداء وإصابات، فعليها على الفور التخلى عن القطاع، والتوقف عن العمل ضد الشعب الفلسطينى الذى يواجه معاملة العنف والضرب على نهج الميليشيات، كما أطالب الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبومازن بالعمل الفورى على إنهاء الانقسام وتسلّم قطاع غزة، كما نطالب الدول العربية بدعم القطاع الذى يشهد وضعاً مشئوماً، والمتضرر من عديد من الجهات لتآمر عدد من الأطراف، وعلى رأسهم ميليشيات حماس».

أيمن الرقب: الوسطاء الفلسطينيون يستغلون الأوضاع.. والمرور من معبر رفح فى غزة لمن "يدفع"

«اللى يدفع يسافر، واللى ما يدفعش ممكن ينتظر سنة علشان يسافر».. بهذه الكلمات لخص «الشغنوبى» تعامل حماس مع أمر التنسيق، مشيراً إلى أنها تبدى التنسيقات ناس على ناس، بحسب من يدفع الأموال، وتابع: «هناك حالات إنسانية فى غزة، مرضى، وطلاب جامعات وغيرهما، حماس لا تُخرجهم من القطاع عبر معبر رفح، وتُخرج فقط من يدفع، فحماس تسير خلف الدولار».

بعد 3 أسابيع فى «قاهرة المعز»، استطاع أن يحصل على تأشيرة زيارة إلى تركيا بـ450 دولاراً، وهناك استقبله معارف فلسطينيون، فمكث هو والشباب بصحبته فى أحد الأماكن التى دبرها لهم فلسطينيون، لحين الاتفاق مع أحد المهربين لنقلهم إلى اليونان، يقول: «كنا نفكر كيف سنسير 18 ساعة فى الغابات للوصول إلى اليونان، ومن بعدها البحر، إنها مغامرة كبيرة». قال «الشغنوبى» إنه أرسل لوالدته لبيع المنزل، وبدء نفس الرحلة حتى يلتقى الجميع فى نقطة التهريب من تركيا إلى اليونان، وهو ما حدث بالفعل، قبل أن يمروا ببعض الغابات التى انتهت بهم إلى شواطئ البحر، ومن هناك استقل قارباً صغيراً بصحبة أسرته ورفقائه فى الرحلة حتى وصلوا اليونان، بعد أن واجهوا صعوبات كبيرة، أتت بهم إلى مكان لا يجدون فيه أماناً، وفقاً لرواية الشغنوبى، الذى قال إن كل خطوة لهم كلفتهم أموالاً كثيرة. من 6 إلى 7 أشهر، انتظرها الطفل الفلسطينى وأسرته فى اليونان لتدبير السفر «غير الشرعى» إلى بلجيكا، التى يأمل أن يُكمل تعليمه فيها، وأن يجد عملاً للإنفاق على نفسه وأسرته، يضيف: «هناك سنحصل على الإقامة ويصرفوا علينا ويسكنونا، والحياة بتمشى أحسن من غزة طبعاً، غزة وضعها تحت الصفر، مش عارف أوصفها.. عن جد مش عارف أوصفها». عند وصول الفلسطينى إلى بلجيكا فإنه يحصل على إقامة 6 أشهر، وهناك من يتم ترحيلهم، وآخرون يبقون بعد استيفاء الشروط المُلزمة للبقاء، وأولها لحظة الوصول مباشرة بالوقوف أمام محكمة عسكرية، وتقديم ورقة «بلا وطن» -التى تم وضعها خصيصاً لأهل غزة- ليحصل على إعفاء من بعض الإجراءات، كتعلم اللغة واجتياز دورة للاندماج مع المجتمع البلجيكى، ومن بعدها يحصل اللاجئ على أجر أسبوعى يتراوح بين 7 و45 يورو، وبعد الحصول على الإقامة يمكن للاجئ الفلسطينى جنى أكثر من 900 يورو شهرياً، وفقاً لما كشفته مصادر فلسطينية فى بلجيكا لـ«الوطن»، بشرط القبول بكل القوانين البلجيكية، وتنفيذها بحذافيرها، فيما عدا ذلك فلا مفر من الترحيل من البلاد.

ريم أبوجامع: شتتوا الأسر بسبب عناد الفصائل وأنانية المسئولين.. وهناك ألف حالة هجرة لفتيات

«قتلوا الطفولة».. بهذه الكلمات بدأت الدكتورة الفلسطينية «ريم أبوجامع» المستشار القانونى فى الشأن الفلسطينى، والشاهدة على قصة منذر، حديثها عن الرحلة المتكررة لأطفال وشباب قطاع غزة، قائلة: «الهجرة غير الشرعية سرطان ابتلى به المجتمع الفلسطينى، خاصة أبناء قطاع غزة، فمنذ العقود السابقة من الزمن كان هناك اقتتال من أجل العودة إلى الوطن، وكان يتكلف المواطن آلاف الدولارات فى سبيل الحصول على رقم وطنى أى هوية بالمسمى الفلسطينى»، لافتة إلى أن هذه الظاهرة استمرت حتى عام 2002 وهو العام الذى شهد انتفاضة الأقصى، ثم بدأ الأمر يزداد صعوبة وتوقف القبول لإصدار هويات للعائدين، وتغير الأمر، وبدأ فى الاتجاه المعاكس عند حدوث «الانقلاب العسكرى فى قطاع غزة عام 2007».

أطالب بإنهاء الانقسام وتسليم القطاع إلى حكومة «فتح».. و«حماس» تسعى فقط وراء "الدولار" وتعمل ضد الشعب

وأكدت «أبوجامع» لـ«الوطن» أن هجرة الشباب منفرداً بدأت فى هذا التوقيت، خصوصاً الشباب فى العقد الثالث من العمر، لتزايد الظروف الاقتصادية سوءاً، وانعدام أفق الحلول، خاصة بعد مضى أكثر من 13 عاماً على مسلسل المصالحة، مضيفة: «بات الحل الوحيد للجميع، سواء شباب فى مقتبل العمر أو ما دون ذلك أو أسرة بأكملها، هو الهجرة من قطاع غزة باتجاه أوروبا، تحت المخاطر التى يتحملها المهاجر من احتمالية الموت، فالهجرة عبر البحر هى موت حقيقى». عن قصة «الشغنوبى»، قالت «أبوجامع»: «هجرة أسرة كاملة، حيث يسبقهم الشغنوبى الذى لا يتجاوز بعد الـ16 عاماً مصطحباً أمه وأشقاءه، وتحمل المخاطرة، تأتى نتيجة الوضع الكارثى الذى تعيشه هذه الأسرة، ، فليس لديهم عائل، والأموال التى تمنحها الشئون الاجتماعية للأسرة لا تكفى شيئاً».

وتابعت: «لا سبيل أمام الشباب والأسرة لمن لا يستطيعون أن يوفروا قوت يومهم إلا الخروج إلى المجهول، لافتة إلى أن عدد المهاجرين من الأسر والشباب والشابات فاق الآلاف، ولا توجد أى جهات رسمية تملك جرأة الإعلان عن الرقم الحقيقى لمهاجرى القطاع»، مضيفة: «لم يعهد القطاع سابقاً أو كمجتمع فلسطينى خروج أطفال للهجرة كُرهاً من المجتمع وأوضاعه، ولكن فى الظرف الحالى هناك هجرة للفتيات أيضاً، وباتت أمراً عادياً على خلاف أى مجتمع محافظ، والآن نتيجة الواقع هناك أكثر من ألف حالة هجرة لفتيات، رغم أن جميعهن لديهن القدرة على العطاء، لكن لا يوجد بالقطاع استيعاب، فالوظائف متوقفة تماماً إلا لمن يتبع حزباً بعينه، كما أن المشروعات الخاصة معدومة لغياب مقومات النجاح نتيحة خنق الحصار الذى فُرض على القطاع، وما زال»، وقالت: «قطاع غزة يعيش حالة من الموت، فلو سألنا أى طفل صغير ماذا ستقول بشكل عفوى، سيقول أريد أن أسافر من هذه البلاد، حتى الجرحى ومبتورو الأقدام هاجروا لضيق الحال»، مستطردة: «قتلوا الطفولة وقتلوا براءتهم وقتلوا طموح الشباب، وفرقوا شتات الأسر بسبب عناد فصائل وأنانية مسئولين».


مواضيع متعلقة