محمد شنح محمد شنح رمضان والنصر في دار "الملايكة"
04:56 م | الثلاثاء 14 مايو 2019

الدار والجامع جاران، مسكونان بذكر الله، لا يفصلهما إلا بناية قديمة، تستند على جدرانهما وتحتمي ببركتهما في "بيت الرحمن"، قبلة الباحثين عن لقائه، ساجدين متمتمين بالتسابيح والدعاء في صلواتهم، يجتمعون في حلقات، يفوح صدى ذكرهم بين جنابات المحراب، عطر رائحته زكية، تعم كل أرجاء "الحكر"، وتعم بخيراتها على أهله، وفي الدار، تسمع آيات الذكر الحكيم، تخرج عبر نوافذ "مندرته"، مصدره مذياع قديم، مؤشره ساكن عن طيب خاطر لصوت محمد رفعت، ومصطفى إسماعيل، وعبدالباسط، وأول ما تقع عليه العين بعد الأُذن، حوش فسيح لا يفضى من الخلق، ولا يفصله عن "أسفلت الزقاق" سوى درجات سلم سداسية، الباب المفتوح لا تكاد تدرك وجوده، فهو وباب الجامع سواء، يستقبل الزائرين من مطلع الفجر ويُوارب بعد العشاء، هنا للمصلين والذاكرين والعاكفين، وهنا للأهل والمساكين وعابري السبيل، هنا ذكر وقربان، وهنا "تكية" تقصدها خماصا وتخرج بطانا، تتسامر فيها الألسنة، وتصب الدعوات على "الملايكة".

للجامع صاحب، سمي باسمه، ويرقد فيه جثمانه، ولي من أولياء الله الصالحين، طلحة بن سعيد، يتمسح الأهالي بكرماته، وسجلت أراضي الإقليم، القابع في غرب دلتا النيل، باسمه على ورق رسمي يختم بالنسر، "كفر الشيخ"، وللدار التي شيدت من طابقين في مطلع الخمسينات بالطوب الأحمر، وواجهتها مدهونة بالجير، الساكنة أعلى الزقاق، المميز عن باقي الحارات المتفرعة من "الشارع الكبير"، كما يحلو لأهل الحكر تسميته، بطريق صاعد نحو أبواب الجامع، صاحب سكنها وخرج منها جثمانه إلى الدار الأخرة، وحتى اليوم، وبعد أن شيد على أنقاضها برج سكني فخم، تبقى تمر بجوارها، وتترحم على "الراجل الطيب الحاج محمد مليكة".

الأهلة تتفتح وتغيب بين جدران "بيت الملايكة"، وبشائر الخير والفرح تتفتح بذرية صالحة، حصاد دوري، ليأت هلال هذا العام، ويكتمل البدر في تمام بـ"موهوب جديد"، ويبزغ نور "فاطمة" على البيت، تزين وتكمل عقد "الحاج محمد" و"الحاجة نبوية"، بجواهر كريمة، إما تتبرك في أسمائها بآل بيت رسول الله، "أم هاشم، وعلي، وحسين"، أو تقترن بأسماء وصفات الله الحسنى وآيات قرآنه، في أسماء، "السيد، وعبدالجواد، وعادل، وانشراح"، كل هؤلاء والدار حالها كما هو، لا ينقطع خيرها، ولا يكف الخلق عن قصدها، ولا سيما في شهور الخير والبركة، ولكنها تتجلى في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران.

عالم "الملايكة"، كما أطلق عليهم المقربون منهم "أهل وجيران"، لا ينقطع أيضًا عن العوالم من حوله، بل يتأثر بها، "فاطمة" هلت على البيت، وفرحة إكمال عامها الثاني حلت مكانها "نكبة" وحزن، "الصهاينة احتلوا سينا"، غصة في الحلق، ووجع في القلب، وحسرة لم تستمر كثيرا، بل بدلت في حياتهم بالإيجاب، فدعوات النصر لازمت قلوبهم وألسنتهم في الجامع والدار، وعمت "الحكر" كله، وصارت مصر ضمن ورد الدعاء اليومي لـ"الحاج محمد" وآل بيته: "يارب ثبت أقدام جنودنا وسدد رميهم"، "يا رب أنصرمصر"، يطلبونه بحماسة قلوبهم كطلب الرزق لهم والبركة لأولادهم، ليأت بعد مرارة سنوات، يتباهى في "طلاوة"، ويصير علم مصر وعلامة النصر زينة شهر القرآن.

هلال رمضان في ذاك العام، حل ومعه البشرى، وشريط الذكريات يمر، "فانوس صفيح بشمعة في حضني"، و"ناس بتقول الله أكبر"، و"السادات على تلفيزيون بيتنا"، مشاهد غير مكتملة، كل ما تتذكره "فاطمة" عن يوم العاشر من رمضان 1973، وما جعلها تتعلق بذاكرتها إجباريا، حلاوة النصر، تتذكر وهي الخمسينية الآن، مشاهد لبنت سبعة أعوام، تتدلى "سنبلتي شعرها" على كتفيها، وتغطى البراءة وجهها، تلعب وتلهو بفانوسها الصفيح "أبوشمعة" نهارا، وتبتهج بلمة عائلية دائمة في حوش الدار ليلًا، وتحل السكينة على قلبها بصوت إمام صلاة التراويح العذب في قراءة القرآن، إلا أن أجواء اليوم العبور كانت استثنائية في حوش الدار، الكل مجتمع حول شاشة التلفزيون بعد أن دوى خبر العبور من المذياع، كان وقتها الشاشة الصغيرة الوحيدة في "الحكر" كله، أحضره الحاج في أواخر الستينات لبيته، وكان الحدث الأبرز وقت ذلك، بل أن سيرة صاحب الدار وقتها، ظلت على لسان العوام العوام والمارة بجوار الدار سنوات وسنوات: "الراجل اللي جاب تليفزيون اهو.. شفت ده بيت الراجل صاحب التلفيزيون.

"فاطمة" جالسة على الأرض في حوش الدار على الأرض وسط أطفال الجيران، ممسكة بفانوسها الصفيح "أبو شمعة" في يدها، ملتفة معهم حول التلفاز الوحيد في "الحكر كله"، ينصتون لبيان النصر، ولقطات حية للجنود على الجبهة، وللرئيس السادات في غرفة عمليات القيادة العامة للقوات المسلحة، لتخرج "الله أكبر" طلقة مدوية من قلوب وألسنة الجميع، تهز أرجاء البيت، وتقذف مع قذائف المدفعية المصرية على الأعداء، كلها لقطات لا تنساها فاطمة، وإن لم تكن تدرك تفاصيلها وقتها، ولكنها شهادة من ابنة الدار، وجارة الجامع، مأذنتا النصر والتكبير في العاشر من رمضان 1973.

رمضان النصر في "بيت الملايكة"، لم يكن يخلو من المرح في السبعينات، أيام طفولة فاطمة المبهجة، تتذكر أطباق الأم الشهية، وهي تعدها على البوابير قبل الإفطار، "المحمر والمشمر من البط والوز، والملوخية، ورز الشعرية، وصنية البطاطس باللحمة"، وخبيز "الحاجة نبوية" من "العيش الرحالي" في الفرن المبني بالطوب اللبن جوار الدار في أرض فضاء فسيحة، ورغم حضور التلفاز، إلا أن وجود الراديو "الترانزستور أبو حجارة"، كان السمة الغالبة في البيت وقت الإفطار، وكانت تسلية الأم في نهار الصيام، حتى يحل صوت الشيخ رفعت في قرآن المغرب، ويعدون التجهيزات النهائية، يفرشون الحصير، ويضعون الطبلية ويكدسونها بأصناف من الطعام الشهية، ويلتفون من حولها حتى ينطلق مدفع الإفطار، ويؤذن للمغرب، وهنا يأتي دور فؤاد المهندس وشويكار، عبر الأثير في متعة إذاعية حينها، وحلقات "شنبو في المصيدة"، ومن ورائها فوازير الإذاعة بصوت آمال فهمي، وينتهي الإفطار وتستمر الحواديت حتى انطلاق آذان العشاء، وتتجلى الروحانيات، أشقاء فاطمة قبلتهم المسجد لصلاة التراويح، وهي قبلتها الزقاق، تضئ شمععة فانوسها بالكبريت، وتخرج لتلهو مع الصغار على نغمات "حالو يا حالو"، وفي البيت الأم مستمتعة إلى أوبريتات ومونولوجات الإذاعة عن رمضان، كـ"أوبريت الفول"، و"مونولوج حبك شمعة وقلبي فانوس لشكوكو، وحتى تأتي حواديت ألف ليلة وليلة، للرائد والمخرج الإذاعي محمد محمود شعبان وتأليف طاهر أبوفاشا، فهنا عاش الملايكة، تلاقت الأرواح الهائمة في ذكر الله والطالبة رضاه، تعالت التكبيرات بالحمد والشكر والنصر، هنا كانت لمة العلية، ولذة الطعام، ومرح الحواديت.

"الملايكة"، هم أخوالي وخالاتي، وفاطمة هي أمي، والحاج محمد مليكة رحمه الله، جدي، والحاجة "نبوية" جدتي، تلك قصة أحداثها واقعية، لا حاجة لخيال كاتب فيها، فهي شهادة من لسان أمي تلتها على مسامعي، وسردتها هنا، في يوم النصر العاشر من رمضان، وذكريات طفولتها، توثق أجواء رمضان الروحانية والإبداعية في سبعينيات القرن الماضي، بركات شهر ونصر أفاضت على مصر بخيراتها، وأيام نعيش بفخر ذكرها وعلى ذكرها، الحدث واحد نصر، الأحاديث وتتنوع في حب الشهر، والشاهد جاران، هما الجامع والدار.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل