بين سعة الصدر وقوة الصبر!
- الزعماء والرؤساء
- الفرقة الموسيقية
- القيم والأخلاق
- حياة الفرد
- منصة القضاء
- وجهة نظر
- آباء
- آلام
- آية
- الزعماء والرؤساء
- الفرقة الموسيقية
- القيم والأخلاق
- حياة الفرد
- منصة القضاء
- وجهة نظر
- آباء
- آلام
- آية
ظنى أن معظم ما يعانى منه الناس فى زماننا من التهابات واحتقانات، يرجع إلى ضيق الصدر وقلة الصبر، وهما مختلفان وإن صبَّا فى مصب واحد يؤدى إلى ضيق النظر وجمود الفكر وتصلب الرأى!
سعة الصدر موهبة لأنها استعداد لدى بعض البشر يتفهم أن حياة الفرد مشاركة مع آخرين، تتشوه وتفقد قوامها وطعمها وقيمتها إذا أخرج الآخرين من حسابه، أما الصبر فهو سلوك يتوقف على العزيمة والمجاهدة والترويض والمران والاعتياد على قدرة التحمل والاحتمال.
سعة الصدر
وسعة الصدر موهبة فى نسيج الشخص تحول بينه وبين أن يقطع كلية الاتصال والتواصل بينه وبين الآخرين، وتفطره على ضرورة أن يبقى قادراً على الاحتفاظ بالخيوط الرئيسية التى تربطه بهم حتى مع الخلاف أو نشوب الخصومة.. لذلك فإن سعة الصدر ليست محض ذكاء أو سعة علم، فهى كثيراً ما تعوز الألمعى اللمّاح، وقد لا يتسع لها علم العالم الفذ!
ضيق الصدر
وكثير من خلافات البشر، أفراداً وجماعات، وانقساماتهم وعداواتهم ومشكلاتهم، ترجع فى الأصل إلى ضيق الصدور.. ضيق كل صدر بغيره أو برأيه أو بتصرفه، وقلّة ما يبذله عادة لمحاولة فهمه وإدراك وجهة نظره، أو التعرف الجاد المنصف على دوافعه ومقاصده.. يمازج ذلك التعجل المبنى على الخفة وقلّة العناية والتمسك بالفكرة الأولى والانحياز للرأى الأول، والنفور والإعراض عمّا عداه، وعن الغير الذى قد يقابل ضيق الصدر بضيقٍ مثله أو أشد، ويواجه الإعراض بإعراض، والنفور بنفور، ويرد على قلّة العناية والتصلب للرأى بمثله، فتتعقد الأمور وتشجر الخصومات وتتبادل وتربو العداوات.. وقد تبقى هذه العداوات دهوراً طويلة، يتوارثها الأبناء والأحفاد، وتتوارثها الجماعات كما هو غالب بين الديانات والملل والمذاهب والعقائد السياسية والعرقية التى توارثتها الأجيال المتعاقبة، حتى صار الانحياز المتعصب لكل منها جزءاً لا يتجزأ من الديانة أو الملة أو المذهب أو العقيدة ذاتها.
الانحيازات والتعصبات
مثل هذه الانحيازات والتعصبات التى تلتصق بتراكمات الزمن وتصلبات العداوة، ترسب وتختلط بالعواطف العميقة الجذور التى يذكيها ويلهبها المتعصبون والمتصلبون، ويحرصون على ترسيخها وتنميتها بكل وسيلة، حتى تصير بضاعة للدعاة والزعماء والرؤساء والأقطاب والأمراء، وتهرب مع شيوعها وترسخها سعة الفهم وسعة الأفق، وتربو جبال من الخصومات الهائلة المدويّة التى تغرق الأجيال فيتعلق لاحقها بسابقها دون تردد أو تأمل أو حساب!
سعة الصدر وسعة الفهم، كلاهما مبتلى فى كل عصر وقطر بتشدق وتدفق المتشدقين أصحاب العبارات الصارخة والتشنجات المتصلبة والخطب الملتهبة.. تتناقلها الروايات والتقاليد والموروثات والمخطوطات والرقائق والوثائق، وتتسلل إلى المصنفات والمؤلفات والآراء والفتاوى والتعليقات والردود وتراكماتها.. هذه التراكمات التى تتجذر بفعل الزمن وضيق الأفق والتصلب والتعصب الذى أعوزه سعة الصدور!
سعة الصدر وسعة الفهم وسعة الأفق موهبة من الواهب عزّ وجلّ لمن يشاء ومتى شاء.. هذه الهبة الربّانية أوسع من قدرة الضيقين المحصورين المتصلبين على منعها أو حجبها، كشأن رؤية النور ورؤية الصواب ورؤية الجمال والكمال، لا سبيل لأحد لمواراتها أو طمسها أو حجبها!
قوة الصبر
أما الصبر، فهو سلوك يتوقف على الترويض والمران والاعتياد، لأنه القدرة على احتمال الآلام والمشاق والمكاره المادية والمعنوية، مع الشعور بأن احتمالها برغم ما فيها هو اللائق بالآدمى وبكرامته فى عين نفسه وعند أمثاله!
ولا تخلو حياة الآدمى منفرداً أو مجتمعاً من تلك المكاره والمشاق، متوقعة كانت أو مفاجئة، ويلزمها لتوازن الآدمى وجود الثبات أو التماسك العقلى والنفسى الذى يسمح بالرويّة والتبصر والحساب للمقاومة الجادة المجدية، أو للتحامل والصبر مع محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فالصبر ضرورة من ضرورات الحياة، من الواجب المجاهدة من أجل اكتسابه وتنميته فى النفس وتعليمه للنشء، والتفريط فى هذه القدرة لا يمكن تعويضه لا بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطة. فلم توجد ريادة ولا قيادة ولا سيادة طويلة الأمد إلاّ بها.. ولم تبق بيوت ولا عشائر ولا جماعات وشعوب وحضارات وعلوم وفنون وصناعات إلاَّ على أساس الصبر. فالصبر أول وآخر ما ننميه ونحرص على تنميته ما بقينا على هذه الأرض.
ونفاد الصبر وانتهاؤه أو الزراية به آية حمق وطيش لا يقبل عليها ولا يهش لها إلاّ أرعن طائش أحمق مخرب!
وليس كل صابر فى عمله أو فى أداء مهمته واسع الصدر بالضرورة. بيد أن كل واسع صدر لا بد أن يكون صابراً بالضرورة كلما اقتضاه الأمر.. هو بسعة صدره صبور دائماً مع الآخرين. وليس فى وسع أحد اشتراط سعة الصدر فى اختيار الأشخاص، ولكن قد يشترط توافر الصبر والاشتهار به فى الاختيار لمهام أو أعمال أو مواقف تقتضى الصبر، وقد لا تستغنى عنه ولا عن فائدته فى جنى القدرة على أداء المهمة أو اتخاذ الموقف!
فالحاكم والقائد والمفاوض، والقاضى والمحقق والباحث، والمخترع والمصمم والمستكشف.. لا غناء لأى منهم عن «الصبر».. فهو قوام وأساس القدرة على الاضطلاع بمهامهم وأعمالهم.. كذلك الأم أو القائمة بدورها والمرضعة والممرضة وراعى المعوقين والأطفال ومن فى حكمهم، ومربى الحيوان ومدربه، والمشتغل بعمليتى التهجين والشتل، والمخرج وقائد الفرقة الموسيقية، وأصحاب الصناعات والمتاجر.. كل من أولئك يفقد قدرته بل قيمته لو فقد صبره اللازم للوفاء بما وكّل إليه القيام به.
والصبر خاصية غير حاضرة للإنسان فى كل الأحوال، فقد يبلغ بها الغاية فى مجال أو موقف، وقد تعوزه حتى يفتقدها وتفتقده فى مجال أو موقف آخر. ربما نشهد شيئاً من ذلك فى القاضى مثلاً أو فى رئيس. فقد يبلغ القاضى كمال الغاية من الصبر وسعة الصدر على منصة القضاء، على حين يعوزه الصبر فيبدو ضيق الصدر نافد الصبر عاجل الغضب مع أهل بيته أو تابعيه.. ذلك أن الصبر مجاهدة عمادها المران والاعتياد، وربما اقترن ذلك أو تجدد بالموضع أو الموضوع الذى ينصب عليه صبر الصابر ومسيرته واتجاهاته.. ولكن أحياناً ما يستهلك الصابر طاقة صبره التى يبذلها بإفاضة وسخاء فى موقف، فيظهر أثر ما استهلكه فى موضع أو موقف آخر يتقلص أو ينفد فيه صبره.. مثل هذا الخلل يظهر فى توزيع الشخص لطاقته على مسلكه العام، ولكنه قد يستطيع تجنب ذلك أو مفاداته إذا كان الصبر خصلة أصيلة فيه، صادرة عن موهبة سعة الصدر الفطرية.. هذه الموهبة التى منحها الله تعالى محبة لبعض خلقه.. تحقق لهم رصيداً من الصبر لا ينفد، يكفى ما يحتاجه فى عمله ومواقفه ويفيض على أحبابه وأهل بيته بما يجعل لهم نصيباً موفوراً من هذه السعة التى أفاء بها عليه الخالق عز وجل.
لذلك لم يكن غريباً أن تكون كلمة «الصبر» أكثر الكلمات استخداماً فى حياة الناس ضمن المفردات المعبرة عن السجايا والشمائل المطلوبة، ومحل عناية فى منظومة القيم والأخلاق التى عنيت بتبشير الصابرين وامتداح سجية الصبر، وتسللت إلى الأمثال والأغانى، فتغنى بها الشعراء والمغنون، ونوهت إليها كتب الأديان، فتكررت الدعوة إلى الصبر فى العهدين القديم والجديد، وجعلها القرآن المجيد من عزم الأمور فقال: «وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ» (آل عمران 186).. وبَشَّر الصابرين، وجعل لهم عقبى الدار، بينما لم تنعم «سعة الصدر» بمثل هذه البشارات والوصايا، لأنها فى الفطرة ونعمة خاصة من نعم الخالق عز وجل، لا تحتاج إلى حض أو تحريض لأنها أصيلة يصدر عنها صاحبها بالطبيعة المتأصلة فى نسيجه، كحب الآباء والأمهات وعطفهم وحدبهم على أولادهم.. هذه العاطفة الفطرية المتأصلة التى أغنت القرآن الحكيم عن توصية الآباء والأمهات بما أوصت به الأبناء أن يبذلوا للوالدين إحساناً.. بسعة الصدر يتنافس المتنافسون فى نول سجية الصبر التى هى من عزم الأمور، هى مناط الخير لأصحابها والبشارة لهم بمحبة الله وعقبى الدار بما صبروا.. «سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» (الرعد 24).