يوم الجمعة، الموافق 16 أغسطس.. بعد فض اعتصام رابعة بيومين فقط، دعت بعض القوى "اللإسلامية" لتظاهرات في ميدان "رمسيس "، وقررتُ وقتها النزول لأرى بعيني ما سيحدث، حتى اتخذ موقفًا صحيحًا، يريح ضميري أمام نفسي ويجعلني صادقًا أمام الله.
عندما وقف قطاري في محطة "الشهداء"، وهممت بالنزول، رأيت المحطة تزدحم بأشخاص معظمهم ملتحين، تكثر في وجوههم وأشكالهم أثار ضرب مبرح وليلة دامية.. تجعلك تتسائل: كيف نجا هؤلاء؟!.
صعدت إلى ميدان رمسيس، وكانت ساعة الضرب قد دقت قبل وصولي بلحظات، فاستقبلت رئتاي دخان الغاز غير مرحبة به، وبدأت بالسعال والركض ناحية شارع يسمى "البحر الأعظم" على ما أتذكر، لم يمر بضع دقائق حتى سمعت دوي طلقات الخرطوش تأتي مقتربة، وأكتشفت إن أهالي هذا الشارع لا يرحبون بالدخلاء.
خرجت مهرولًا إلى شارع جانبي، يزدحم بالمحال المغلقة، ويشاء القدر أن أرى صديق قديم يملك والده إحدى المكتبات في شارع الفجالة.. طلبت منه أن أظل معه حتي لا يفتك بي الأهالي ظنًا منهم بأني انتمي لجماعة الإخوان، وكانت ذقني دليل كافي لذلك.
وقفت في هذا الشارع المطل على ميدان "رمسيس "، أشاهد ما يحدث من حرب لا يمكن وصفها بأقل من ذلك، نساء ورجال وشيوخ وأطفال ملثمين وقوات شرطة وجيش.. الجميع يضرب ويُضرب.. بلا رحمة.
كان بجانبي بعض النساء، التي احتمت من طلقات الخرطوش التي تصحبها ولا تفارقها بعض الطلقات الحية، كانوا لا يلبثون دقائق في مكان حتى يتم ضربهم وطردهم من هذا المكان، ولا يملكون إلا أن يصمتوا ويرحلوا في صمت.
عندما أزحت بنظري قليلًا إلى يساري، رأيت رجلًا ملتحيًا، وقفت أنظر إلى يديه مبتسمًا مدة زادت عن الخمس دقائق، ولفت ذلك انتباهه، عندما نظرت في وجه، رأيته يبتسم لي ابتسامة ليست في ميعادها أبدًا.
لقد كنت أنظر ليديه؛ لأنه كان يكتب على أحدهم "محمد عبدالحميد" والأخرى رقم الهاتف بـ"فيصل"، ذهبت إليه مبتسمًا، و دار هذا الحوار القصير.
- سلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته "مبتسما".
- أنا آسف بس أنا كنت "باصص" على إيد حضرتك، لإنك فكرتني لما كنت في "محمد محمود" كنت بكتب اسمي ورقم تليفون والدي على إيدي وهدومي؛ علشان لو حصلي حاجة.
- لا ولا يهمك.
- هو حضرتك شغال أيه؟
- دكتور.
- طيب سؤال تاني "رخم" معلش.. هو حضرتك نازل ليه النهاردة؟
- ابني أتقتل أول إمبارح "مبتسما".
- أنا آسف.. ربنا معاك.
- الله المستعان.
انتهى الحوار.. ولا أعلم مصير هذا الرجل.. ولكن ما أعلمه الآن.. إننا نصنع إرهابيين من لا إرهابيين.. ليس كل من ينزل مظاهرة أو يهتف هتاف يصبح إرهابي.. كلنا بشر.. كلنا لدينا مشاعر.. كلنا نتخلى عن آداميتنا إذا سقط عزيز لنا.. لن أضرب لك مثلًا.. وأسألك ماذا ستفعل إذا كنت مكان هذا الرجل.