بروفايل| «عكاشة».. ويرفرف العمر الجميل

كتب: نورهان نصرالله

بروفايل| «عكاشة».. ويرفرف العمر الجميل

بروفايل| «عكاشة».. ويرفرف العمر الجميل

لحظة واحدة كانت فاصلة بين الموت والحياة، أبى جسده المنهك أن يستجيب لتوسلات الأجهزة الطبية، لم يتوقف أمام الدموع التى حفرت مجراها على وجوه الأصدقاء، أو الغصة التى أثقلت قلوب العائلة، لم يكمل عامه الـ69، عندما تحررت روحه من كل القيود المادية، انطلقت حرة كما لم تكن من قبل، فكان اللقاء البعيد مرهوناً بتلك اللحظة، التى عاد فيها ليكون الطفل الذى فقد أمه فى السادسة من عمره دون سبيل آخر للقاء، لتمر اليوم الذكرى التاسعة لذلك اللقاء الذى انتظره الطفل الذى حمل اسم «أسامة أنور عكاشة».

لعائلة متوسطة يعمل ربها فى التجارة، ولد «أسامة» عام 1941 فى طنطا، وانتقل بعد ذلك إلى كفر الشيخ، لم يتم عامه السادس حتى تذوق المرارة الأولى بفقدان والدته، ليحفر اليتم جرحاً غائراً فى قلب الطفل الصغير، ظل يعانى منه طوال حياته، وجعل منه طفلاً منعزلاً يهرب من الجميع بالقراءة، ما ساهم فى تأسيس وجدانه، وأضحى بمثابة البذرة الأولى فى شخصية كاتب سيصبح من الرواد بعد سنوات، لم يجد الحنان الذى يبحث عنه فى شخصية والده الصارمة، لكن عوضته عنه زوجة أبيه التى تربى لديها خلال فترة طفولته، حياة عامرة بالآلام والانتصارات صنعت منه «حكواتى» من طراز خاص.

قادت الصدفة «عكاشة» إلى الدراسة فى قسم علم النفس والاجتماع، فى كلية الآداب، ليتعرف هناك على عبدالقادر القط وعز الدين إسماعيل، حيث كان لهما دور فى توجيهه إلى الكتابة بعد ما لمسا الموهبة التى يمتلئ بها الشاب الصغير، الذى عمل بعد تخرجه أخصائياً اجتماعياً فى مؤسسة لرعاية الأحداث، وتنقل بعدها فى مجموعة من المهن الأخرى، فكانت بمثابة فترة يستطيع فيها التعامل مع قطاع أوسع وفئات مختلفة من البشر يختزنها فى ذاكرته ويستدعيها عند الحاجة ممزوجة بإبداعه.

«خارج الدنيا» المجموعة القصصية الأولى للكاتب الشاب، التى فتحت له الباب أمام الدراما التليفزيونية عندما طلب منه سليمان فياض قصة منها ليتم تقديمها فى سهرة تليفزيونية، لتتوالى بعدها التجارب ويظهر معها اسم «أسامة أنور عكاشة» فى نهاية السبعينات، وقرر تقديم استقالته من العمل كأخصائى اجتماعى فى رعاية الشباب بجامعة الأزهر، عام 1982، مقابل التفرغ للكتابة، ليلمع اسمه أكثر ليكون الأب الروحى للدراما المصرية فى فترة فارقة من تاريخها. صراع «فضة المعداوى» مع «مفيد أبوالغار»، ضمير «عبدالباقى الجوهرى» ورحلة إثبات براءته، مغامرات «بشر عامر عبدالظاهر»، ومنافسة «سليم البدرى» و«سليمان غانم» على قلب نازك السلحدار، «أبلة حكمت» و«حسن النعمانى»، كلها حكايات وشخصيات متوهجة رسمها «عكاشة» ببراعة شديدة فى حالة إبداعية غير مسبوقة، منحها الحياة ومنحته الخلود مهما مرت على رحيله السنوات.


مواضيع متعلقة