موجة ربيع جديدة أم خريف عربى ثان؟

هبة جلال

هبة جلال

كاتب صحفي

«ديجافو» هو مصطلح فرنسى يعنى «وهم سبق الرؤية»، أى أن تشعر بالألفة فى موقف معين وكأنه حدث لك من قبل، أو فى مكان ما، تماماً كأنك زرته سابقاً. حار مفسرو هذه الظاهرة بين نظريات العلم وفرضيات الغيب.. لكن أغلب الظن أنها ترتبط بخلل ما فى الذاكرة، أو بالتباس بين الواقع والخيال، وأحياناً بين الماضى والحاضر.

الحراك الذى يعيشه الشرق الأوسط فى هذه اللحظة يستدعى مشاهد مماثلة وتجارب مشابهة عاشتها المنطقة نفسها قبل سنوات. الزلزال الذى حيناً يلحق بوصفه كلمة «ثورة»، وحيناً آخر يسمى «مؤامرة» تتابعت موجاته، فطالت حدود كل من السودان والجزائر.. بلغ سقف المطالب عنان السماء. المحصلة تنحى بوتفليقة وإقالة البشير.. لكن العلاقة بين سقوط الاثنين -وإن كان قوياً مدوياً صادماً فى الحالتين- وتحقيق تطلعات الشعوب نحو الأفضل محدودة جداً، فالجماهير المرابطة فى الشوارع المنتشية بصوتها الهادر وبسطوة هتافاتها على الجالسين فوق العروش تعرف ما لا تريد.. لكن أن تحدد بدقة ما هو ذلك الذى تريده وتطمح إليه، ثم كيف السبيل إليه.. فهذا هو التحدى الحقيقى. فى مصر ما بعد 2011 ألف دليل ودليل على ذلك.

يقال إن الزمن يفعل العجائب.. ليس هناك عبارة أصدق من هذه، وسأقول لكم لماذا.. إبان أحداث الخامس والعشرين من يناير ملأت صفحاتى على مواقع التواصل الاجتماعى شعارات استلهمتها من روح الميدان.. الميدان تحول بالنسبة لى -رغم مساحته الصغيرة- إلى عالم له دستوره ومفرداته الخاصة جداً.. أخلصت لمطالبه، ودافعت عن أفكاره.. لكننى بعد ثمانى سنوات أقف الآن فى نقطة مختلفة تماماً.. تغيرت عندها زاوية رؤيتى للأمور، فمن حقنا أن نحلم بمصر أجمل، وأن نريد لبلادنا ما ننبهر به فى الخارج، نظام تعليم يضمن تعليماً حقيقياً، منظومة صحية لا تفرق بين غنى وفقير، آليات سياسية قوية تعمل لصالح المجتمع، وغيرها الكثير.. لكن الأحلام الكبيرة تتطلب وعياً أكبر، فمن العبث السعى لإسقاط نظام من دون أدنى فكرة عن ملامح اليوم التالى لهذا السقوط، أو وجود تصور حكيم لطبيعة النظام البديل وتوفر خطة منطقية لبنائه.

مخطئين ظننا إزاحة رأس النظام عصا سحرية ستنفض غبار الجهل عن المجتمع، وتحول فساد نخبته بياضاً ناصعاً، أو على الأقل تفكك عقد مشكلاته الصعبة.. الذى حدث بدلاً من ذلك أن أطرافاً خارجية استفادت من اندفاع المتظاهرين، وأخرى داخلية أكلت وشربت من غياب مشروع سياسى لهذا الحراك وعدم وجود رؤية بديلة لطريقة الحكم وشكل الدولة المنشودة فى مرحلة ما بعد انهيار النظام وسقوط أركانه الأساسية.. الذى حدث ببساطة أن الأحلام البراقة وُضعت على محك واقع يعانى فراغاً فكرياً وسياسياً لدى المثقفين والنخبة والمطالبين بالتغيير على حد سواء.. فى مقابل مشروع قبيح لكن جاهز لتيار الإسلام السياسى. أبرزت هذه السنوات حقيقة -رغم بساطتها- كانت غائبة عن الأذهان.. أن الآمال مهما تكن درجة ورديتها لا تؤمّن رزقاً ولا تُغنى من جوع.. ولا تبنى الأوطان المهدّمة.

التاريخ قطعاً لا يعيد نفسه.. إنما يجود أحياناً علينا بالفرص. الفرصة الآن سانحة لتحويل الدفة وتصحيح المسار. ليس ضرورياً أن يتجرع غيرنا الكأس المرة ذاتها التى تجرعناها حتى الثمالة.. بوسعهم الاستفادة من دروس دفع آخرون مقابلها أثماناً باهظة.. بأن يسعى الحالمون بمستقبل أفضل لتغيير آمن لا يرتبط بالفوضى، ويطلقوا عملية بناء لا يُشترط أن يسبقها هدم.. المعادلة الطموحة هى إحداث إصلاح حقيقى يبدأ من الفرد ويمضى متخطياً قشور الحكم فيصيب أعمق مستوياته.. شريطة ألا يفرغ الدولة أو يفتح فى جسمها ثغرات للإرهاب والتقسيم. الكرة الآن فى ملعب الشعب، سواء فى الجزائر أو السودان: فإما أن يعيد كتابة نهاية أحداث 2011.. أو تظل تلك الأحداث فى ذاكرة المنطقة دائماً وأبداً.. فصلاً أسود.