الدولة تشن حرباً واسعة على «منظومة الرشاوى» والميكنة والمدفوعات الإلكترونية أبرز الأسلحة الفعالة

كتب: فاطمة نشأت وإسراء مجدى

الدولة تشن حرباً واسعة على «منظومة الرشاوى» والميكنة والمدفوعات الإلكترونية أبرز الأسلحة الفعالة

الدولة تشن حرباً واسعة على «منظومة الرشاوى» والميكنة والمدفوعات الإلكترونية أبرز الأسلحة الفعالة

«الرشوة هى آفة قديمة يكاد لا يخلو أى مجتمع منها، وتعد أبشع أنواع الفساد، من خلال قيام شخص بدفع مبلغ من المال لموظف من أجل الحصول على حقّ ليس له، أو بهدف التهرب من واجب عليه القيام به، فهى طريقة غير مشروعة لكسب المال باستغلال المنصب أو المركز أو المكانة الاجتماعية، اقتحمت الرشوة كافة المجالات، وباتت تؤثر على اقتصاديات الدول وجعلتها تتكبد خسائر فادحة»؛ هذا ما عبرت عنه كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولى، خلال حديثها عن أن الفساد والرشاوى تُعد أبرز التحديات التى يواجهها العالم، حيث بلغت التكلفة السنوية للرشوة وحدها أكثر من 1.5 تريليون دولار، أى نحو 2% من إجمالى الناتج المحلى، وأشارت لاجارد إلى أن آخر بحث أجراه صندوق النقد يؤكد أن تكلفة الفساد العالية التى تتحملها المالية العامة للدول، تؤدى إلى خسارة فادحة فى الإيرادات، وانخفاض جودة الإنفاق، ويؤكد هذا التحليل أن الفساد يخفض النمو، ويزيد عدم المساواة.

فيما ذكر تقرير صادر عن البنك الدولى أن التكلفة العظمى للفساد تقع على عاتق الفقراء، ففى دولة باراجواى، يدفع الفقراء 12.6% من دخلهم للرشاوى، بينما تدفع الأسر مرتفعة الدخل 6.4%، فكل دولار مسروق يسلب الفقراء فرصة متساوية فى الحياة، ويمنع الحكومات من الاستثمار فى رأسمالها البشرى، وأكد البنك الدولى فى تقرير آخر له، أن توجه الدول لمجتمع لا نقدى واستخدام التكنولوجيا المالية، بجانب تحويل السجلات الورقية إلى رقمية، يقلص من نسب حدوث الفساد بالتزامن مع انخفاض الاحتكاك المباشر مع العنصر البشرى، ليُعد بذلك أبرز الحلول الفعّالة للحد من الفساد.

ياسر جاد الله: إحلال الآلة مكان الموظف يدعم الحد من نسب الفساد.. ولا بد من توجيه الطاقات البشرية المهدرة للقطاعات الإنتاجية

وبالنظر إلى الأوضاع على المستوى المحلى، نجد أن ترتيب مصر فى مؤشر مدركات الفساد (CPI) الذى يصدر سنوياً من منظمة الشفافية الدولية، قد ارتفع من 117 فى عام 2017 إلى 105 من أصل 180 دولة شملها الاستطلاع فى عام 2018.

الأمر الذى دفع الدولة لإطلاق خطة متكاملة وأهداف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، تُنفذ خلال الفترة «2019 - 2022»، حيث ركزت فى خطتها على تطوير الجهاز الإدارى لمكافحة الفساد وتفعيل دوره، بجانب تطوير البنية التشريعية الداعمة لمكافحة الفساد، وتفعيل آليات الشفافية والنزاهة بالوحدات الحكومية، ودعم جهات تنفيذ القانون لمواجهة الفساد ومكافحته، وزيادة الوعى المجتمعى بأهمية الوقاية منه.

إبراهيم الشربينى: القطاع المصرفى يحد من الرشاوى بأدواته الخاصة.. ويدعم الحكومة ببطاقات "ميزة"

ومن جانبه قال حمدى حامد، المتحدث الرسمى لشئون الدفع والتحصيل الإلكترونى بوزارة المالية، إن الدولة تبذل جهودها فى تفعيل المنظومة الإلكترونية وتوسيع نطاق استخدامها بهدف محارب الرشاوى والفساد من خلال تقليص دور العنصر البشرى فى المعاملات، وهو ما يضمن بتر النصيب الأكبر من الرشاوى والفساد، فضلاً عن تيسير الدور الرقابى للدولة على كافة المعاملات المالية، موضحاً أن وزارة المالية بدأت خطتها للقضاء على الفساد والرشوة بالموازنة العامة للدولة، التى تنقسم إلى شقين هما ميكنة المصروفات الحكومية بالكامل، وميكنة الإيرادات، وهو ما تعمل الوزارة حالياً على الانتهاء منه، وأضاف أن الوزارة وقفت على أسباب موضوعية دفعتها لاستثناء 15 جهة بشكل مؤقت من القرار لحين زوال تلك الأسباب التى قد تكون تقنية، أو فنية فى المدى القريب، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على ميكنة باقى دورة العمل مع المصالح الحكومية وليس فقط المدفوعات المالية، لضمان تقليص الفساد والرشاوى، موضحاً أن وزارة المالية انتهت من تنفيذ مشروع GFMIS العالمى لإدارة المعلومات المالية الحكومية، وقال إنه يتم تنظيم المدفوعات الإلكترونية من خلال قانون المدفوعات المالية غير النقدية لعام 2019، الذى يضع قواعد صارمة للتحول لمجتمع لا نقدى، كما يجرم الفساد والرشاوى عند إتمام المعاملات المالية، كما نظمت الوزارة 4 حملات تهدف إلى تدريب العاملين فى المقرات الحكومية بجميع المحافظات على كيفية العمل بسبل الدفع والتحصيل الإلكترونى، والتعامل مع الممارسات الفاسدة.

وعقب ياسر جاد الله، أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، أن الدولة تتصدى للرشاوى والفساد من خلال الميكنة والدفع الإلكترونى لكافة الخدمات الحكومية، حيث يؤدى تراجع تدخل العنصر البشرى فى إتمام المعاملات إلى الحد من معدلات الرشاوى والفساد بشكل أكثر فاعلية من الوسائل الأخرى، وأشار إلى ضرورة توجيه العاملين بالأعمال الروتينية فى القطاع الحكومى، التى تقل فيها أهمية وجودة المنظومة الإلكترونية الجديدة، إلى القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، لاستغلال قدراتهم الساكنة لدفع عجلة النمو، خاصة فى ظل مستهدفات الدولة المرتفعة من زيادة معدلات الناتج المحلى الإجمالى، موضحاً أن ذلك سيعود على الموظفين بأجور مرتفعة تقلص من لجوئهم للرشاوى، وأشاد بما تقدمه الدولة بإنشائها هيئة متخصصة لمكافحة الفساد لأول مرة، إضافة إلى عمل حملات التوعية التى تطلقها هيئة الرقابة الإدارية للجهات الحكومية لكيفية تفادى الوقوع فى الفساد، مضيفاً أنه لا بد من وجود نظم رقابية كاملة على خدمات العاملين من خلال الكاميرات التى تسجل صوتاً وصورة، والتى تستخدمها كثير من مؤسسات القطاع الخاص لضمان مستوى الخدمة المقدمة للعملاء، مشيراً إلى ضرورة وجود تقييمات سريعة وصارمة لكل من يتلقى رشاوى لإتمام مهام عمله، لتكون ردعاً للعاملين بالدولة غير الأسوياء.

حمدى حامد: الحكومة تستخدم نظماً عالمية للحد من الفساد.. وتقليص التعامل البشرى هو الحل

وقال إبراهيم الشربينى، رئيس قطاع التكنولوجيا المالية ببنك مصر، إن القطاع المصرفى يواجه الرشاوى والفساد من خلال تعزيز الشمول المالى وجذب المزيد من الأفراد ضمن المنظومة الرسمية والرقابية للدولة، خاصة القطاع غير الرسمى الذى يمثل أكثر من 60% من الناتج المحلى الإجمالى، حيث إن هذا القطاع يدفع الكثير من الرشاوى لإتمام معاملاته خارج المنظومة الرسمية، وأوضح أن البنوك تُعد الأداة التى تطبق توجهات الدولة للتحول نحو مجتمع لا نقدى من خلال إصدار بطاقات «ميزة» الوطنية، التى تتيح إتمام كافة المعاملات المالية إلكترونياً، والسحب والإيداع طوال اليوم من ماكينات الصراف الآلى، إضافة إلى إتمام المعاملات الحكومية، متابعاً أن التحول لمجتمع خالٍ من الكاش يحد تماماً من الرشاوى والإكراميات، ويجعل المعاملات المالية أكثر أماناً ويسراً، مشيراً إلى أن البنوك تسعى لفتح قنوات جديدة للمواطنين للتعامل معها، تكون أقل تعقيداً وتعزز من خطط ترسيخ الشمول المالى، كإصدار محافظ الهاتف المحمول، والإنترنت والموبايل البنكى، وشدد الشربينى على ضرورة تطبيق نظام البلوك تشين فى كافة القطاعات، التى ستسمح بمشاركة البيانات بطريقة آمنة ودقيقة، ما سيحد من معدلات الإخفاق، والاحتيال والرشاوى، كما لها أهمية بالغة فى تسهيل المعاملات، وإضفاء طابع أكثر شفافية ودقة.

ومن جانبها قالت بسنت فهمى، عضو اقتصادية البرلمان، إن الدولة تخطو خطوات جيدة فى ملف الفساد الذى يكلفها الكثير، وذلك من خلال التحول للرقمنة والتعامل اللانقدى، لتجنب التعامل المباشر بين المواطنين والموظفين، وتابعت «لا توجد دولة بالعالم لا يوجد بها فسادو وبيانات البنك الدولى السنوية عن الفساد توضح انتشاره فى كافة الدول، بينما تحاول مصر تخفيض نسب الفساد والتقليل من تكلفته السلبية على الاقتصاد وبيئة الأعمال»، وأوضحت أن البنية التحتية فى مصر تحتاج إلى التطوير والإصلاح لاستيعاب هذا التحول الرقمى فى المعاملات الحكومية، مضيفة أن مجلس النواب قام بإعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ومن المتوقع أن تأتى بثمارها فى حالة تغيير ثقافة الموظفين عن الرشاوى، نظراً لأن العديد منهم يعتمدون على الرشاوى كجزء من دخلهم.


مواضيع متعلقة