فى مقالى السابق، حول عبارة البنا «إنى أبنى وهم يهدمون»، نقلت بعضا من العبارات التى قالها «البنا»، تدل على البوّن الشاسع بينه وبين إخوان اليوم، ومن ضمن العبارات التى نقلتها قوله: «اتخاذ الفكرة الدينية ستارا لجمع دهماء الناس وقيادتهم بزمام الدين ونحن نريد بهم سبيلا غير سبيل الدين، فهذا هو الخديعة والنفاق، وما كان لفكرة حق أن تقوم على المخادعة والتزييف والمكر، وأسوأ قادة للأمة أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون».
فتفتقت فكرة فى ذهن بعض الناس من باب الاختبار، مفادها أنهم أتوا بعبارة «البنا» كما هى، ونسبوها إلى الفيلسوف الألمانى الشهير وعالم الاجتماع «كارل ماركس»، وكتبوا على مواقع التواصل الاجتماعى: «ماركس» يقول كذا وكذا، وبناء على ذلك جاءت تعليقات الإخوان تحمل -كالعادة- قاموسا من الشتائم «لماركس»، وتصف كلماته بأنها دعوة للعلمانية، وهدم للدين، وتشويه للعاملين على تطبيقه، واتهام للإسلام بأنه دين الخداع والتزييف والمكر، وأن المراد بهذه العبارات إبعاد عوام الناس من طريق الإسلاميين، حتى تتلقفهم جماعات الإلحاد والفسق، وهكذا نال «ماركس» كل هذا مع أنه برىء، والعبارات لمؤسس الإخوان!!
ما دلالة أن يقوم شباب الجماعة بهذا الرد على عبارة هى فى الحقيقة «لحسن البنا»، ومن باب الاختبار نسبها البعض «لماركس»؟ هناك دلالات كثيرة من وراء ذلك أهمها:
1- فى الأمر دلالة على الجهل بتراث «البنا» وكتاباته وآرائه وأقواله.
2- أن الجماعة بعد «البنا» لفقت وزوّرت فى نقل فكر المؤسس، فصدَّروا لأتباعهم عبارات «البنا» الملتهبة، من أن الأمة فى هبوط مستمر، وأن كل يوم يمر يقربها إلى الهاوية، وصدَّروا العبارات الداعية للحشد والتمكين وطاعة القيادات، على حساب العبارات الداعية لمراجعة النفس، والاعتراف بالخطأ، وعدم خداع الناس بالدين، مما تصدق معه على القيادات عبارة الشيخ الغزالى: «بدا الأقزام على حقيقتهم بعد أن مات البنا».
3- إغراق التفكير الإخوانى فى «الشخصنة»، هو القاسم المشترك فى تعاملهم مع كل الكتابات والآراء، وما مقالى إلا مثال، إذ لما عجزوا عن مناقشة الفكرة، أطلقوا ميليشياتهم وصبيانهم لتشويه الأشخاص، ليكون تشويه الأشخاص أو الآلة التى يعبر من خلالها الأشخاص هى المدخل بعد العجز عن مناقشة الأفكار، مرد ذلك إلى تدريبهم على تقديم التنظيم وطاعة القيادات على الفكر، أكثر من تدريبهم على تقويم القيادات، وهذه وإن لم تكن معصية شرعية، لكنها معصية تربوية، لأنها تقتل ملكات النقد والاعتراض، وتغتال روح البناء لحساب القيادات.
والجهل كل الجهل هو مناقشة الأشخاص، ونصف الجهل مناقشة المواقف، والعلم مناقشة الأفكار، وقد غفلت الحركة الإسلامية -وما زالت- عن الكثير من تراث العلماء، ممن هم على غير مذهبهم، لأنهم لم يتعلموا أن المعتبر هو القول وليس قائله، وحسبنا تمحيص الرأى، لا الطعن فى صاحبه، فزلوا عندما أناطوا الحق بمسالك الرجال، والصحيح أنه لو جاء الحق على رؤوس الضلال وجب اتباعه، وترك قائله، ولا يترك بمجرد أنه صدر عن فلان الانقلابى أو الفاسد، إذ الحق بدليله وليس بقائله، فإن الذهب يُستخرج من التراب، ويُجتنى الورد من الشوك، والحكمة ضالة المؤمن يتبعها أينما وجدها، ويأخذ الحق ولا ينظر من أى وعاء خرج، وهذا هو منتهى النزاهة العلمية، التى صارت غرة فى جبين تاريخ المعرفة الإسلامية، فلا يعرف أن فقيها أو مفكرا ترك تراث الإمام «أبوحامد الغزالى»، أو تآليف «ابن تيمية»، والإمام الذهبى يقول فى «أبان بن تغلب»: شيعى، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته»، هذا منهج عظيم هتكه صبيان الإخوان والسلفيين.