تقدمية وتخلفية وإسلامية!

أمير العمري

أمير العمري

كاتب صحفي

كان الكثيرون من زملاء جيلى فى سبعينات القرن الماضى، مغرمين بتقسيم الأفلام إلى أفلام تقدمية وأفلام رجعية، أى متخلفة أو «تخلفية» كما كنت أردد ساخراً، وذلك بدلاً من التقسيمة الصحيحة إلى أفلام جيدة وأفلام رديئة مثلاً. فقد كان العصر عصر الأفكار «التقدمية» فى أوساط شباب الجامعة بوجه خاص، وكانت انتفاضتهم الطلابية المشهود لها، تهدف إلى وقف زحف القيم المتخلفة، والمناداة بدولة العدالة والحرية والقانون، والقضاء على «زوار الفجر»، ولعل فيلم «زائر الفجر» للمرحوم ممدوح شكرى كان قمة هذا الاتجاه أو التجسيد الطبيعى له فى السينما. لم تكن فكرة «الاشتراكية» وقتها، تستند إلى أفكار «عقائدية» جامدة مثل ديكتاتورية البروليتاريا أو سيادة الطبقة العاملة على سائر الطبقات، بل كانت تجسد الحلم الدائن بتحقيق العدالة والحرية. إلا أن من الضرورى التأكيد على أن هيمنة «السياسى» على «الثقافى» فى تلك الفترة، جعلت الكثيرين يتجاهلون البعد «الجمالى»، عند تناولهم لقضايا السينما والفنون عموما، لحساب البعد «الاجتماعى» وجعله أساس الحكم على الأفلام مثلاً. وكان الطابع السائد فى النقد عموماً يميل إلى الحكم على الأعمال الفنية طبقا لموقفها من حركة المجتمع، وكان يجب أن تكون فى اتجاه «التقدم» وإلا أصبح العمل الفنى فى نظر ناقديه، عملاً «متخلفاً» يناقض حركة التاريخ! وكنا نتصور أنه مع مرور السنين، تجاوز المجتمع هذه النظرة الساذجة، لكننا نلمس اليوم مقدمات تروج لأفكار أخرى ربما تكون أكثر سذاجة وخطورة أيضاً، تتمثل فى الحديث عن «سينما إسلامية» وسينما «غير إسلامية»، تماماً مثلما سادت فى وقت ما، فكرة «السينما النظيفة» كمصطلح اجتماعى يعتبر السينمائى، صاحب رسالة اجتماعية، وهو مصطلح ظهر أساساً كنقيض لسينما كشف عورات الواقع الاجتماعى على أيدى أبناء جيل الثمانينات مثل داود عبدالسيد وعاطف الطيب وخيرى بشارة ورأفت الميهى ومحمد خان. دعاة السينما «الإسلامية» يسعون اليوم إلى اختزال الإبداع الفنى فى «حكمة أخلاقية» أو «موعظة» أو دعوة مباشرة إلى اعتناق فكرة معينة أو بالأحرى، شكل محدد، من أشكال التدين والسلوك الاجتماعى. هذا المفهوم «التخلفى» الساذج الذى يجهل طبيعة الفنون عموماً، والسينما بوجه خاص، يفترض أن السينمائى يجب أن يلعب دور «الداعية»، وأنه إن لم يكن «إسلامى» التوجه حسب تعريفهم هم لمفهوم «الإسلامى»، فإنه يصبح بالضرورة «علمانياً مارقاً» أو شبه مارق، أو فى أفضل الأحوال، يصبح خارجاً عن ثوابت الأمة، طبقاً لأولئك الذين يحتفظون لأنفسهم، بحق الحديث باسم الجماعة البشرية التى تعيش على أرض هذا الوطن التى هى فى واقع الأمر، جماعات متعددة، متباينة تثرى النسيج الوطنى بتنوعها الثقافى. لكن الكارثة أن البعض يصدقهم؛ لأن البعض لا يريد أن يرى ولا أن يتعلم!