«طيارو الديليفرى».. شباب يسابقون الريح «فوق الموتوسيكلات» بحثاً عن «الرزق الحلال»

كتب: أحمد ماهر أبوالنصر

«طيارو الديليفرى».. شباب يسابقون الريح «فوق الموتوسيكلات» بحثاً عن «الرزق الحلال»

«طيارو الديليفرى».. شباب يسابقون الريح «فوق الموتوسيكلات» بحثاً عن «الرزق الحلال»

تتحرك عقارب الساعة معلنة منتصف الواحدة صباحاً، الهدوء يسيطر على شوارع العاصمة، الجميع عائدون إلى منازلهم، لكن هناك من يعملون حتى الساعات الأولى من الصباح. وسط الظلام الحالك فى منطقة الحى السابع بمدينة نصر، بمحافظة القاهرة، تعلو الأصوات بشدة، فيتوقف المارة عن السير، معتقدين أن ثمة شيئاً كارثياً قد حدث، فيقترب الجميع لمعرفة ماذا حدث.

«شيل الموتوسيكل ده من هنا، حاضر هاشيله بس بلاش زعيق الناس نايمة».. بهذه الكلمات بدأ رامى محمد، طيار ديليفرى، ٣٦ سنة، حديثه مع أحد السكان، الذى طالبه بنقل الموتوسيكل الخاص به، من أمام العمارة لأنه يعيق المارة، ليرد عليه مطالباً إياه بالهدوء ويبادر بنقله من أمام باب العمارة، ويدخل ويخرج بعد عشر دقائق قائلاً: «أنا جاى آكل لأنى جعان ومن الصبح بلف أوزع أوردرات على الناس». فى غرفة صغيرة داخل «بير سلم» مظلم، مساحتها لا تتعدى ١٦ متراً، يعيش ١٣ عاملاً تركوا محافظاتهم بحثاً عن رزق حلال يغنيهم عن سؤال الناس.

أوراق مبعثرة أمام الباب وأتربة تغطيه من الخارج، الدخول إلى الغرفة لا يحتاج عناء كبيراً، فلا يوجد ما يحكم غلقها، خلف الباب مباشرة، سرير صغير مكون من شكائر تغطيها بعض بقايا الأقمشة المتهالكة، فوقها «ملاية» قديمة، وحصيرة مفروشة على الأرض فى آخر الغرفة لكى ينام عليها من لم يجد له متسعاً على السرير الضيق، بجانبها صندوق معلق ليس له باب. يستخدمه العمال كدولاب لحفظ جزء من ملابسهم المتناثرة فى جميع أنحاء الغرفة، الأحذية الملقاة فى جنبات الغرفة يستطيع الزائر تمييزها بواسطة مصباح وحيد يضىء الغرفة.

عند اليمين من باب الدخول، يوجد المكان المخصص للطبخ، وهو عبارة عن بوتاجاز صغير تغطيه الأتربة ويملؤه الصدأ، فلا أحد منهم يستخدمه مبررين ذلك بأنهم لا يملكون الوقت الكافى لاستخدامه، فوجوده فى الغرفة لا يعنى استخدامه فى الطهى، بل يستخدمه العمال عند الأكل، من خلال وضع المأكولات السريعة عليه بدلاً من وضعها على الأرض.

بوجه ملىء بعلامات الحيرة والتفكير فى مصير مجهول، يجلس وليد نجم، ٣٦ سنة، من بنى سويف، أحد طيارى الديليفرى، مرتدياً «تيشيرت» برتقالى اللون وبنطلوناً أزرق، وشبشباً أسود: «أنا كنت بشتغل عامل بناء وبسبب قلة الشغل، قلت أشتغل ديليفرى، يمكن الرزق يزيد وسبت البلد وعيالى، وجيت هنا، عايشين ١٣ نفر فى شقة أوضة بصالة، الوضع صعب وربنا وحده اللى عالم بينا وبحالنا، تعبنا ونتمنى الأوضاع تتحسن، اليوم اللى بنقعده بنصرف من جيبنا، وأجرتنا الناس بتعتبرها شحاتة، بس إحنا ملقيناش شغل تانى غير ده وقلنا لأ، الكل بيحتفل بالعمال فى عيدهم لكن مين اللى فكر فى حالنا فعلاً، مين اللى دور علينا، فين التأمينات، الكل بيتكلم عن عمال المصانع، وإحنا ولا لينا حقوق أصلاً، لو حد مننا مات، عياله هتتيتم ولا حد هيسأل عنهم من الأساس، ليه مايبقاش لينا حقوق فى بلدنا؟».

"محمد": "مفروض يبقى فيه اهتمام حقيقى بينا مش بس بعمال المصانع".. و"عبيد": "بنام بجنبى علشان مفيش مكان أفرد عليه ضهرى"

يقول محمد أحمد، عامل ديليفرى ٢٨ سنة، من سوهاج: «أنا كنت بشتغل عامل محارة، فوقعت من الدور التانى، وكنت محتاج أعمل عملية بـ٣٥ ألف جنيه فى رجلى، ومعرفتش أعملها فجيت اشتغلت هنا ديليفرى علشان أقدر أصرف على عيالى، بافضل شغال أكتر من ١٧ ساعة، وفى آخر اليوم بصفى حوالى ١٣٠ جنيه، بدفع منهم إيحار شقة وأكل، ده غير إيجار الجراج بتاع الموتوسيكل» ويضيف: «بشتغل مع كذا مكان وقت الأوردر بيتصل عليا المطعم ويبعتنى طبعاً، مفيش مرتب ثابت، كله بيعتمد على الشغل، ولو حصلى حاجة محدش هيسأل فيا، نفسى حياتى تتظبط ويبقالى مرتب ثابت، وأعيش مع عيالى فى مكان واحد، ماعتقدش إن عيد العمال لما اتعمل كان الهدف منه إنه يكون اسم وخلاص مفروض يبقى فيه اهتمام حقيقى بينا، مش بس بعمال المصانع».

ويقول أحمد على «ويتر»، من بنى سويف، ٢٥ سنة: «أنا باخد ٦٠ جنيه فى اليوم مش بيكفونى، ولا حتى قادر أخطب ولا أعمل أى حاجة بيهم، وبصرف نص الفلوس دى على الإيجار والأكل، وصاحب المحل ممكن يوم يقولى خد إجازة النهارده لأن الشغل مريح، يوم ما ببعت ألف جنيه لأهلى بيبقى يوم عيد، أنا راضى بقدر ربنا، وبتمنى ربنا يفكها من عنده وحد يفكر فينا، لأننا تعبنا فعلاً ومحدش سأل فينا أصلاً، قبل ما آجى القاهرة كنت شغال عامل خرسانة، بس الشغلانة صعبة، والشغل فى الأرياف مبقاش يجيب همه، فجيت القاهرة واشتغلت فى شركة مقاولات، لقيت الوضع أصعب، لأنى بيبقى مطلوب منى أطلع ارتفاعات عاليه وأنا شايل على كتفى «المونة»، خفت على نفسى بصراحة وعلى عيالى اللى ملهمش غيرى بعد ربنا».

ويقول أحمد عبيد، من سوهاج، ٢٩ سنة، يعمل فى غسل الأطباق: «أنا باخد 75 جنيه فى اليوم وبفضل واقف ١٢ ساعة أغسل فى أطباق، ومليش حق أعترض ولو فكرت أتكلم أو أشتكى، على طول صاحب المطعم هيقولى مع السلامة مش عايزك، أنا بتعب نفسياً من كتر ما بغسل مكان فيه بواقى أكل الناس، بحس بإهانة لكن برجع أقول الشغل مش عيب والعيب إنى أقعد من غير شغل، ورغم البهدلة والمرمطة دى إلا إنى لازم أقبل كل ده وأرضى بيه» ويضيف: «الفلوس اللى باخدها فى اليوم باصرف منهم حوالى ٥٠ جنيه، أكل وإيجار، ويوم ما أوفر ٨٠٠ جنيه، بحس إنى عملت إنجاز، الظروف صعبة والعيشة غالية، ومحدش بيسأل فينا، والعمالة اليومية دى محدش حاسس بيها، كأننا فى عالم تانى خالص، لا تأمين ولا صحة، ولا اهتمام، ليه محدش بيشوف حالنا ويحاول يحل مشاكلنا؟!».

ويتابع: «بنام مع تلاتة غيرى على سرير واحد يعنى أربعة على سرير، كل اتنين عكس بعض، مستحيل حد يتخيل المنظر، بنام بجنبى علشان مفيش مكان أفرد عليه ضهرى بحرية، وإحنا فى غربة وبهدلة ولازم أستحمل، لأن عندى خمس بنات أنا مسئول عنهم، بعد أبويا ما توفى ومسئول أجوزهم وأصرف عليهم، لأنى أكبرهم أنا بحلم يكون ليا شغل ثابت يعوضنا عن اللى بنشوفه».

ويقول محمد سعد، ٣٤ سنة من أسيوط، عامل محارة: «مقسمين نفسنا ورديات علشان السرير مش هيكفينا كلنا، فيه أربعة بيناموا على السرير وخمسة على الأرض، وأربعة بيبقوا بره لحد ما يبدلوا معانا لما نصحى».


مواضيع متعلقة