حسن أبوطالب حسن أبوطالب مخاطر زرع «داعش» فى ليبيا
10:02 م | الثلاثاء 09 يوليو 2019

من الواضح أن كثيراً من القوى العالمية والإقليمية التى تتشدق بمواجهة الجماعات الإرهابية لا تبذل الحد الأدنى من الجهد الذى يناسب حجم الخطر الذى يمثله تنظيم «داعش» الزئبقى. المسئولون الغربيون يتحدثون كثيراً عن هزيمة «داعش»، وكأن الأمر حُسم نهائيا على عكس كافة الشواهد. وفى الوقت نفسه يتركون أعضاء التنظيم يعيثون فى الأرض فساداً، ويرفضون محاسبتهم بحجة أن لا ملفات قانونية بشأن أعضاء التنظيم يمكن تقديمها للمحاكم الأوروبية. وهو موقف عملى يثبت أن كثيراً من تلك القوى الأوروبية والإقليمية تجد فى استمرار «داعش» وأعماله الإرهابية وإثارته للفوضى مصلحة كبرى لهم. والواضح أيضاً أن تحركات وانتقالات مسلحى التنظيم من بؤرة إلى أخرى لا تحدث عبثاً، بل وفق تخطيط مدروس تحدده عقول استخباراتية على أعلى مستوى، وهدفها وضع المنطقة العربية ودولها الرئيسية على سطح صفيح ساخن، بما يشتت جهودها فى تحقيق أى اندفاعة تنموية تعود بالخير على شعوبها، ويفرض عليها بالتالى أن تدفع أثماناً غالية من أجل الحفاظ على أمنها الوطنى.

آخر التطورات الليبية تفصح عن الوجه القبيح لدول إقليمية وعن أدوارها الخبيثة فى دعم جماعات إرهابية عتيقة. والدلائل تثبتها تصريحات لقادة يعملون الكثير وتحركات على الأرض. ففى الرابع من يوليو الجارى أشار الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، فى لقاء صحفى بروما، إلى أن عناصر «داعش» يتم نقلها من إدلب السورية وإرسالها إلى ليبيا لتشارك فى القتال هناك، محذراً من انتقال عناصر إرهابية من ليبيا إلى الدول الأوروبية، وفى اليوم التالى نشر تنظيم «داعش» مقطع فيديو يظهر فيه مجموعة من الإرهابيين المسلحين فى منطقة صحراوية ومعهم قائد يعتقد أنه محمود البرعصى، أحد قيادات تنظيم «أنصار الشريعة»، الذى انضم إلى «داعش» 2014، يبايعون أبوبكر البغدادى، زعيم «داعش»، ويتوعدون فى الآن نفسه الجيش الوطنى الليبى بالمزيد من العمليات ضده. ووفقاً للمعلومات الليبية الرصينة والمؤكدة فإن المنطقة الصحراوية التى تتمركز فيها الآن هذه المجموعة الإرهابية تقع بالقرب من مثلث زلة الجفرة هون، وتعرف بجبال «الهاروج» بوسط ليبيا وتمتد 200 كم، وتتوافر فيها مصادر للماء والرعى والزراعة، وأبرز تجمعاتها السكنية هى قرية الفقهاء.

ويُلاحظ هنا ثلاثة أمور مترابطة؛ الأول أن تصريحات الرئيس بوتين تحمل إدانة غير مباشرة لتركيا التى اتفقت سابقاً مع روسيا ذاتها بالسيطرة على إدلب السورية بشرط التخلص من الجماعات الإرهابية التى تجمعت فيها نتيجة تطبيق سياسة إنشاء مناطق منخفضة الصراع الخالية من الجماعات الإرهابية. غير أن تركيا، وطوال التسعة أشهر الماضية، لم تحرك ساكناً فى مواجهة «جماعات النصرة وداعش وهيئة تحرير الشام والمرابطون ومجموعات المسلحين الأجانب»، الذين تسيطر عليهم المخابرات التركية، وأداة خبيثة تحركها «أنقرة» للتدخل غير المشروع فى سوريا وفى دول أخرى، كليبيا ومنطقة الساحل والصحراء، بهدف تحقيق هيمنة تركية إقليمية بشعارات دينية وسياسية تخص أوهام المد العثمانى الجديد بزعامة «أردوغان»، وتدعيم التحالف مع جماعة الإخوان وفروعها الإرهابية التى تصل فى الغرب الليبى وحده إلى 53 فصيلاً.

الملاحظة الثانية تتعلق بتركيا وعلاقتها بحكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج، وهى علاقة مبنية على أسس مصلحية، حيث توجد استثمارات تركية كبيرة فى الغرب الليبى، وأيديولوجية إسلاموية، فالحكومة ورغم أنها المعترف بها دولياً تتحالف مع جماعات مسلحة موجودة على قوائم الإرهاب الدولى حسب تصنيفات الأمم المتحدة، ومع ذلك لا يدينها أحد من القوى الدولية الكبرى التى تصوغ ما يعرف بتوجهات المجتمع الدولى. ولكنها تصم الآذان عند هذه المفارقة الخبيثة، والتى من خلالها تشرع تركيا لنفسها التعاون مع هذه الحكومة لمواجهة أى محاولة من الجيش الوطنى الليبى الذى يستمد شرعيته من البرلمان المنتخب 2014، وهو أيضاً معترف به دولياً، ويدعم مد الجيش الوطنى سيطرته الطبيعية على العاصمة طرابلس وتخليصها من سطوة الجماعات المرتزقة والإرهابية.

وفى تبرير قيام تركيا بإرسال عدد كبير من الآليات والمدرعات والأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة ومعها خبراؤها الأتراك لمساندة حكومة السراج، رغم قرارات الأمم المتحدة التى تحظر إرسال أسلحة إلى الداخل الليبى، يقول «أردوغان» إن ذلك تنفيذ لاتفاق تعاون أمنى وعسكرى بين حكومته وحكومة السراج، مضيفاً أنه سيضع كل إمكانات تركيا تحت إمرة حكومة الوفاق لصد هجوم «قوات حفتر» وتعديل التوازن العسكرى على الأرض لصالح «السراج». والمؤكد أن تلك الأسلحة ذهبت إلى جماعات الإخوان فى مصراتة، وإلى مجموعات «القاعدة» والميليشيات القبلية المسيطرة على حكومة الوفاق وعلى مؤسسات الدولة الليبية فى طرابلس. ومجمل الأمر أن تدخل تركيا العسكرى يصب فى تعضيد نفوذ المجموعات المسلحة على حساب مصالح الدولة والشعب الليبى، ويدفع نحو فوضى شاملة فى مناطق مختلفة فى الغرب والجنوب الليبى، وإثارة عدم اليقين فى الشرق، وهى أهداف تتماهى تماماً مع أهداف وتحركات «داعش» فى وسط ليبيا وجنوبها، والتى تبدأ بتشتيت جهود الجيش الوطنى الليبى واستعادة السيطرة على بعض المناطق والقرى التى كان يسيطر عليها، وبالفعل، كما حدث فى مدينة الغريان، وبالتالى إجهاض عملية الكرامة وإفشال تحرير العاصمة من أوكار الإرهاب المتأصلة فيها برعاية حكومة الوفاق.

الملاحظة الثالثة تتعلق بـ«داعش» وما يشاع عن هزيمته فى الوقت الذى يتأكد فيه أنه ما زال موجوداً. وهنا علينا أن نتذكر التفرقة بين ثلاثة مستويات ترتبط بـ«داعش»؛ الأول مستوى الدولة التى كانت فى أراضٍ سورية وعراقية وهى التى تم هزيمتها نهاية العام الماضى. أما المستويان التاليان فيخصان مستوى التنظيم وهو الموجود رغم تشتت قياداته وتحولاته التى تستند إلى البحث عن مواقع رخوة فى أى بلد وتشكيل قاعدة مكانية فيها وإشاعة الخراب وتهديد المناطق المحيطة. وثالثاً الفكرة الداعشية أو الأيديولوجية الوحشية التى يؤمن بها التنظيم. والمستويان الأخيران باقيان ويتطلبان اليقظة فى المواجهة سواء الجماعية أو الفردية فكرياً وأمنياً.

وبالتالى فما يُقال عن هزيمة «داعش» بالمطلق ليس صحيحاً، فهى هزيمة منقوصة وغير مكتملة، والوصول إلى هزيمة مكتملة تتطلب جهوداً دولية وإقليمية حقيقية وجادة، وهو الأمر غير المتوافر وأيضاً تتجاهله القوى الرئيسية فى العالم. ولذا يظل على الدول التى تواجه تهديد «داعش» وكافة منظمات الإرهاب القاعدية والإخوانية أن تتحالف معاً، وأن تنسق جهودها على أعلى المستويات حفاظاً على أمنها الوطنى أولاً، ولمنع انتشار الفوضى فى الإقليم ثانياً.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل