مؤمن أن الإضرابات والاعتصامات الفئوية والعمالية باتت كحجر ثقيل فى رقبة دولة غارقة..
مؤمن أن ما يفعله بعض الموظفين والعمال انتهازية مفرطة لدولة تقول «عشانا عليك يا رب»..
مؤمن أن الذين يضربون لا يحبون العمل الذى هو عبادة..
مؤمن ومقتنع أن توزيع أرباح على عاملين فى مؤسسة خاسرة جريمة.. مؤمن أن منظومة العمل فى مصر كلها خطأ، وأننا شعب تعلم الإضراب قبل أن يتعلم العمل، فإذا كانت الدولة لا تستطيع تحقيق المطالب الفئوية، ولا تملك عصا موسى ولا خاتم سليمان، ولديها عجز مفزع فى الموازنة العامة، فكيف تقبل أن تدفع لمن لا يعمل ومن أين لها بالمال إذا كانت تعيش على «الشحاتة».. وإذا كان حال الدولة كحال مريض يحاول التعافى، فهل نقضى عليها تماماً؟
الدولة تلهث وراء تدبير قوت شعبها، بينما يطالب البعض برواتب عالية وحوافز وأرباح كبيرة وتحسين الرعاية الصحية والتعليم.. الدولة غير قادرة على النهوض، فيزيد البعض من حملها حتى لا تقف أبداً وتظل «باركة» على الأرض.. وسأروى لكم قصتين الأولى دارت وقائعها فى إحدى السفارات العربية حيث يوجد عدد من الموظفين المصريين يحصلون على رواتب مرتفعة جداً كونهم يعملون فى سفارة دولة غنية.. وفى إطار قيام السفارة بعمل إجراءات قانونية وإدارية لهؤلاء كالتأمينات مما يستلزم استقطاع الضرائب المستحقة من رواتبهم.. لكن الموظفين المصريين رفضوا وهددوا وتوعدوا، فاجتمع معهم السفير.. قال السفير: عيب عليكم أن تضنوا على بلدكم بمبلغ «صغير» يحصل لصالح الضرائب المصرية.. عيب أن تحصلوا على خبز مدعم وكهرباء مدعمة ومياه مدعمة وبنزين مدعم وترفضون دفع ضريبة صغيرة لدولتكم.. عيب عليكم أن تهددوا وتتوعدوا لأننا نريد أن تدفعوا جزءاً بسيطاً من حق دولتكم عليكم.. السفير قال بحسم من لم يعجبه ذلك فليستقل؟ خرج الجميع من الاجتماع وقفا الواحد منهم يقمر عيش..
أما القصة الثانية، فحدثت قبل أيام قليلة حيث كان هناك إضراب لموظفى الشهر العقارى لأنهم يريدون مساواتهم فى الأجر مع خبراء وزارة العدل.. تم بحث الأمر وتبين أن الخبراء يزيدون فعلاً بمبلغ ٣٦٠ جنيهاً فى الشهر، بسبب أنهم يمارسون عملهم بعيداً عن المكاتب.. أى أن الزيادة مبررة وتعتبر بدل طبيعة عمل.. ومن بين المطالب أيضاً لموظفى الشهر العقارى زيادة راحة العمل من ساعة إلى ساعتين ورفع بدل «الراحة» أو الغداء إلى خمسين جنيهاً بدلاً من ٣٦ جنيها فى اليوم الواحد.. أما المطلب الثالث فهو الأكثر غرابة ودهشة كونه يتمثل فى أن موظفى الشهر العقارى يريدون لقب مستشار، خصوصاً بعد أن سجلوا جمعية فى وزارة الشئون الاجتماعية تسمى «جمعية مستشارى الشهر العقارى». لن أعلق على القصتين وسأتركهما لضمائركم الوطنية، وسأذهب إلى طرح سؤال مهم بعد أن أصبحت مصر رائدة الإضرابات والاعتصامات فى العالم كله: هل نحن شعب يعمل؟
بالتأكيد نحن أقل شعوب الأرض حباً للعمل، نحن نحب الفهلوة والتزويغ وإهدار الوقت وتعطيل العمل.. نحن أقل شعوب الأرض فى عدد ساعات العمل، وفقاً لإحصاءات ودراسات كثيرة، مثل تلك الدراسة التى أجرتها الدكتورة آية ماهرة، أستاذ الموارد البشرية فى الجامعة الأمريكية، قبل أربع سنوات، وأثبت أن الموظف المصرى يعمل لمدة نصف ساعة، رغم أن عدد ساعات العمل هى ٨ ساعات فى اليوم، وأن ٩٥٪ من هؤلاء الموظفين يحصلون على امتياز فى تقارير العمل السرية ما يؤهلهم للترقى وزيادة الرواتب.. تأمل معى يوما لموظف حكومى يذهب إلى عمله ليصل فى التاسعة أو العاشرة صباحاً على أحسن تقدير، بسبب المواصلات والزحام.. بعد الجلوس على المكتب والتقاط الأنفاس يطلب ساندوتشات الفول والطعمية وكوب الشاى.. ثم سيجارة يحبس بيها.. بعد الإفطار يحلى الكلام والدردشة فى أحوال البلاد والعباد وموعد الجمعية.. قرب الظهر يتحرك للوضوء ثم الصلاة التى تنتهى فى حدود الواحدة ظهراً.. بعدها يستعد لمغادرة مكان عمله إلى بيته ولا تسأل ماذا عمل وفيما أنفق وقته؟
لو أن الذين يضربون أعطوا العمل ما يعطونه للإضراب لما احتاجوا للإضراب، فالعمل والإنتاج خير ضامن لحقوق العمال ولتحسين دخولهم.. ومن يعمل لا يجد وقتاً للإضراب.
لا ينبغى لأحد أن يتحدث عن حقوق العمال قبل أن يتحدث عن حقوق وواجبات العمل، وينبغى أن يُسأل من يقوم بالإضراب: ماذا عملت أولاً؟