حسن أبوطالب حسن أبوطالب السودان الجديد على الأبواب
10:01 م | الثلاثاء 13 أغسطس 2019

أربعة أيام تفصلنا عن اليوم المحدد للتوقيع النهائى على الإعلان الدستورى الذى وقعه المجلس الانتقالى وقوى الحرية والتغيير فى الرابع من الشهر الجارى مبدئياً، ووفقاً للمتفق عليه سيتم حل المجلس العسكرى الانتقالى، والإعلان فوراً عن المجلس السيادى الذى سيمثل الدولة السودانية، والمشكل من 11 عضواً مقسماً بين أعضاء عسكريين وآخرين مدنيين، ويستمر لمدة 39 شهراً، منها 21 شهراً برئاسة شخصية عسكرية، و18 شهراً برئاسة شخصية مدنية.

وإجمالى الفترة تمثل فى حقيقتها مرحلة انتقالية منظمة ذات هياكل حكم مدنية لكل منها وظيفة محددة، هدفها تحقيق الانتقال الديمقراطى ودولة القانون وإزالة آثار دولة التمكين لجماعة الإخوان السودانية التى قادها الرئيس المخلوع شعبياً عمر البشير طوال العقود الثلاثة الماضية.

واقع الحال أن المرحلة المقبلة مشحونة بالكثير من المهام والتحديات والعقبات. أكثر ما يميزها هو ذلك التشابك المحكم بين الأزمات الهيكلية سياسياً واقتصادياً وأمنياً ومجتمعياً التى شكلت الدافع الأكبر لثورة الشعب السودانى، وهى نفسها تمثل التحدى الأكبر للحكم المدنى الجديد. ويلفت النظر أن الوسيط الأفريقى محمد الحسن ولد لبات، الذى لعب دوراً مهماً ورئيسياً فى الحوار بين المجلس العسكرى الانتقالى وقوى الحرية والتغيير وصولاً إلى وثيقة الإعلان الدستورى، قد حدد ثلاث مهام يجب أن تلتفت إليها قوى الحرية والتغيير وهى الثورة المضادة أو محاولات الردة، ووحدة مكونات الحرية والتغيير ذاتها، والعلاقة مع القوى النظامية لاسيما الجيش وقوات الدعم السريع.

أما الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس الانتقالى والمرجح أن يكون رئيس المجلس السيادى الجديد، فقد أشار الأحد الماضى بمناسبة عيد الأضحى المبارك إلى ضرورة حماية الإعلان الدستورى لأنه أساس بناء الدولة المدنية، وضرورة التماسك والتعاون بين مكونات العهد الجديد، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف. وكلا الإدراكين ينطلق من حقيقة واحدة وهى أن السودان الجديد مقبل على مرحلة حرجة تتطلب التعاون المرن من كل الأطراف، وتحديد الأولويات بدقة، وإفساح المجال للمشاركة بين المؤسسات المدنية والعسكرية استناداً إلى وحدة المصير.

فعلى عكس ما جرى فى دول عربية شهدت احتجاجات شعبية أنهت مسيرة سادها الفساد، وسمحت للجماعة باعتلاء السلطة لفترة وجيزة لكنها انتهت بانتفاضات شعبية عارمة أسقطت حكم الجماعة وحاصرت وجودها السياسى والدعوى، فإن حالة الثورة الشعبية السودانية فى جوهرها وأصلها تعنى اقتلاع حكم الجماعة من جذوره، وهى مهمة أساسية وتُعد شرطاً أساسياً لبناء السودان الجديد. بيد أن الأمر لن يكون يسيراً نظراً لتمكن الموالين للجماعة والمتعاطفين معها من التغلغل فى مفاصل الدولة السودانية وأجهزتها الإدارية والقطاعات الاقتصادية طوال العقود الثلاثة الماضية، والمتوقع أن يلعب هؤلاء دوراً سلبياً لإجهاض أو تعطيل أو الإساءة إلى الجهود المنتظرة تحت مظلة البرلمان الجديد الذى سيتم تشكيله من 300 عضو منهم 201 عضو يمثلون قوى الحرية والتغيير، وجهود الحكومة المدنية التى سيتم تشكيلها من 20 وزيراً برئاسة شخصية ترشحها قوى الحرية والتغيير ويعتمدها المجلس السيادى.

ورغم الخطورة المحتملة لما قد يقوم به الموالون للجماعة المنبوذة شعبياً، فى صورة حركة مضادة، فالاعتماد الأكبر لإفشال تلك الحركة المضادة يتطلب مسارين متكاملين؛ أولهما حُسن تطبيق الإعلان الدستورى والحوار الدائم بين المجلس السيادى والحكومة المدنية لحل أية إشكالات قد تظهر عند التطبيق على أرض الواقع ومنع تفاقمها ما يتيح للقوى المضادة توظيفها سلباً. والثانى الحرص على وحدة قوى الحرية والتغيير والسماح لكل مكوناتها بأن تكون شريكة فى مؤسسات الحكم المدنى الجديد وبما يلقى عليها مسئولية جماعية لحماية المرحلة الانتقالية من جانب، ويوفر لها أساساً صلباً لمواجهة التحديات الماثلة أمام الحكومة الجديدة كمواجهة الأزمة الاقتصادية، وإحلال السلام مع مكونات الجبهة الثورية الثلاثة، وإفساح مساحة للجبهة الثورية للمشاركة فى الحكومة والمجلس السيادى، وإعلاء مبدأ دولة القانون ومحاسبة المسئولين عن مفاسد العهد البائد، وجبر الخواطر للذين ذاقوا الأمرين وتحملوا الكثير من المظالم والسجون ومصادرة الممتلكات من نظام الإخوان برئاسة البشير.

جموع السودانيين المتطلعين لنظام أكثر عدلاً وإنصافاً ومشاركة وتنمية، يدركون خطورة الثورة المضادة، كما يدركون أن إحلال السلام فى السودان قضية لا تحتمل التأجيل، صحيح ورد ذكرها فى الإعلان الدستورى وتم تحديد مدة ستة أشهر للحكومة المدنية الجديدة لكى تنهى الأمر بصورة مرضية لكل السودانيين، لكن تظل هناك إشكاليات قانونية وعملية بحاجة إلى الحسم من خلال حوار جاد وبنّاء. إنها قضية شائكة، لا سيما أن كثيراً من المناطق والولايات شهدت مواجهات عسكرية تزيد على عقدين، وخلّفت الكثير من الجروح والمظالم والتهميش السياسى والاقتصادى لأبناء تلك المناطق.

وبالرغم من أن الجبهة الثورية بمكوناتها الثلاثة (حركة تحرير السودان جناح منى أركو مناوى، والحركة الشعبية - شمال جناج مالك عقار، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم) التى تعد أصلاً أحد مكونات قوى الحرية والتغيير، فقد التقى ممثلو الجبهة الثورية مع ممثلى قوى الحرية والتغيير فى أديس أبابا بهدف التوصل إلى حل الخلافات قبل التوقيع النهائى على الوثيقة فى 17 آب (أغسطس) الجارى لمعالجة التحفظات التى أبدتها الجبهة تجاه الإعلان الدستورى من زاوية أنه لم يتضمن ربطاً موضوعياً بين بناء السلام والديمقراطية والمواطنة الحقيقية فى ظل رابطة وطنية عامة تجمع كل السودانيين ولا تقصى أحداً، ولم يشر إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتجاهل إشراك الجبهة الثورية فى هياكل السلطة المدنية الجديدة. وقد توصل حوار أديس أبابا إلى وثيقة عامة بشأن السلام، لكن لم يتم التوافق على ضمها إلى الإعلان الدستورى، لأنها حسب أحد القادة العسكريين جاءت ضعيفة ولم تعالج كل متطلبات السلام، والأمر يحتاج إلى حوارات أكثر ومعالجة تفصيلية للعديد من القضايا، لا سيما ما يتعلق بتسوية أوضاع منتسبى الحركات الثلاث المسلحين وكيفية إلحاق بعضهم بالجيش السودانى، وأمور فنية وقانونية أخرى عديدة.

وانطلاقاً من مسئولية القاهرة تجاه الأشقاء فى السودان ومسئوليتها كرئيس للاتحاد الأفريقى، وحرصاً على تهيئة أوضاع أكثر تقبلاً لنجاح هياكل السلطة السودانية الجديدة عند إعلانها وتشكلها رسمياً، فقد دعت مصر ممثلى الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير لحوار فى القاهرة، أملاً فى أن يكون خطوة فى سبيل وضع المزيد من النقاط على الحروف، والتوصل إلى تصور أكثر تكاملاً وأكثر قابلية للتطبيق بما يسهم فى سلام شامل ومستقر لكل السودانيين.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل