حسن أبوطالب حسن أبوطالب الصين وعقدة "هونج كونج"
09:58 م | الثلاثاء 20 أغسطس 2019

الاحتجاجات المتصاعدة فى هونج كونج -المقاطعة ذات الاستقلالية الإدارية منذ عودتها إلى السيادة الصينية 1997- والمستمرة طوال 12 أسبوعاً، تمثل أحد أكبر الاختبارات صعوبة وتعقيداً للصين الأم، ولسياسة «صين واحدة ونظامان» التى تضمّنها الإعلان الصينى البريطانى 1984، وهى الصيغة التى أبقت نظرياً السياسات الرأسمالية، ومساحة معتبرة من الحريات العامة، مثل تشكيل الأحزاب والجمعيات وحرية التعبير لمواطنى المقاطعة، وهو ما لا تعرفه باقى الأراضى الصينية.

ورغم مرور 22 عاماً من التحاق هونج كونج بالصين، فما زالت هناك اتجاهات ذات طابع استقلالى تسود بين مواطنى المقاطعة، ويشير استطلاع للرأى أجرته إحدى جامعات هونج كونج خلال عام 2018، إلى أن 11 فى المائة فقط يعرّفون أنفسهم بأنهم صينيون.

ومثل هذه الإدراكات تكشف عن أن خبرة الغالبية تحت السيادة الصينية ليست إيجابية، وأنها تضعف الميراث الاستقلالى والحريات العامة التى تجذّرت فى سلوك أبنائها، ومن أكبر تجلياتها أن هونج كونج هى المقاطعة الوحيدة التى يمكنها أن تحيى الذكرى السنوية لأحداث ميدان «تيانين مين» الدموية، حيث اقتلعت دبابات جيش الشعب الصينى على مرأى ومسمع من العالم كله، حشود الطلاب المتجمعين فى أرضية الميدان والمطالبين بالانفتاح السياسى.

ومعروف أن الاحتجاجات التى بدأت فى يونيو الماضى، كانت رفضاً لمشروع قانون قدمته حاكمة المقاطعة يسهّل تسليم من يوصفون بالمذنبين إلى سلطات بكين من أجل محاكمتهم، وهو ما اعتبر أنه يمثل ضربة قاصمة لاستقلال قضاء هونج كونج، كما أنه يسمح بترحيل الكثير من الناشطين السياسيين الداعين إلى الديمقراطية، إلى بكين لمحاكمتهم، بناءً على آرائهم السياسية، ومن ثم سجنهم آجالاً طويلة. وتشير تعليقات المشاركين فى الاحتجاجات إلى أنهم لا يثقون فى استقلالية النظام القضائى فى الصين، وأنه واقع تحت سيطرة الحزب الشيوعى الصينى.

وفقاً لهذا السياق العام تبدو أولى ملامح العقدة المتبادلة بين جزء كبير من سكان هونج كونج والمركز فى بكين تتمثل فى عدم الثقة فى نزاهة حكم المركز، والخوف الشديد من أن يتمكن المركز من السيطرة على الجهاز القضائى فى هونج كونج، مما يؤدى إلى الإجهاز على ما تبقى من سياسة «صين واحدة ونظامان».

من المنظور الصينى، فإن سياسة «صين واحدة ونظامان» لا تعنى أبداً أن تتسيد الاتجاهات الاستقلالية لدى أجيال جديدة فى هونج كونج أو جزيرة ماكاو، مما قد يحفز أكثر الاتجاهات الاستقلالية لدى مواطنى تايوان التى تطالب بها الصين.

وهنا تتجلى العقدة من جانب بكين من زاويتين، الأولى أن قبولها مبدأ نظامين هو أمر مؤقت وليس دائماً، وقوامه خمسون عاماً فقط، وأنه مجرد مرحلة يتم فيها تطبيع سلوك مواطنى المقاطعة ذات الاستقلالية الإدارية، بما يصب فى الانصياع التام للمركز، وقبول النظام السائد فى الأرض الأم، دون مناقشة.

وتجىء الاحتجاجات وما شهدته من أحداث عنف، ومظاهر لإهانة الرموز السيادية الصينية، ليكشف أن مثل هذا الانصياع ليس وشيكاً، وأن أساليب التدرّج لم تأتِ بالنتائج المطلوبة.

وفى السياق ذاته تبدو أيضاً إشكالية التحول إلى القوة المسلحة لإجبار مواطنى الإقليم على الانصياع الكامل للسياسة المركزية الصينية، إشكالية كبرى وثمنها مرتفع للغاية، وسوف يفسد كل مظاهر الاحتفال المنتظرة فى أكتوبر المقبل بمناسبة مرور 70 عاماً على قيام الصين الشيوعية بقيادة الحزب الشيوعى الصينى.

وما يجعل الأمر كارثياً لبكين أن احتمال تكرار مشاهد ميدان «تيانين مين» الدموية لن يمر على العالم أو على سمعة الصين بسهولة كما حدث قبل 30 عاماً.

وفى السنوات الأولى لعودة السيادة الصينية إلى هونج كونج كانت التقديرات الدولية تقر بنجاح سياسة «صين واحدة ونظامان»، من حيث استمرار خصوصية الإقليم سياسياً وإدارياً وقضائياً، وفى الآن ذاته بدء اندماجه فى الاقتصاد الصينى، رغم اتباعه سياسات رأسمالية لا يقرها الحزب الشيوعى الصينى، وهو اندماج ساعد فى جذب استثمارات صينية إلى القطاعات الناهضة فى اقتصاد هونج كونج، كما سمح لرجال الأعمال من هونج كونج بالاستثمار فى البر الصينى، مما خلق شراكات أفادت الطرفين.

ومع مرور الأعوام بدأت سلطات بكين تمارس قدراً أكبر من التدخل فى شئون المقاطعة، وظهر ذلك فى عدم السماح بانتخاب رئيس الإدارة الذاتية للإقليم، وأن يتم اختياره من قِبل لجنة، أعضاؤها موالون للمركز، وساعد انتقال صينيين من البر للعيش فى هونج كونج، على تغيير متدرج فى التركيبة السكانية، نتجت عنه انقسامات طبقية وفى الاتجاهات السياسية.

لقد حشد المركز فى بكين قرابة 200 ألف جندى بمدرعاتهم وهراواتهم وأسلحتهم الخاصة بمكافحة الشغب فى أحد الملاعب فى «تشنزن» على بُعد 35كم فقط من الحدود مع هونج كونج.

وهى رسالة ذات اتجاهين؛ أولهما مجرد التحذير بأن فشل قوات الأمن الداخلية بالمقاطعة يعنى تدخل المركز، وثانيهما أن الأمر جاد والتدخّل قادم قادم.

وبعض كبار مسئولى الحزب الشيوعى الصينى أشاروا إلى الاحتمالين معاً، والتحول من التحذير إلى التدخّل ليس سوى مسألة وقت.

مثل هذا التجمع العسكرى فى تشنزن تحديداً له معانٍ أخرى، إذ تقع «تشنزن» على الجانب الآخر من الساحل الذى يفصل بين بر الصين وهونج كونج، وهى منطقة اقتصادية خاصة، فيها عدد كبير من الشركات الصينية العملاقة، أبرزها شركة هواوى، وكانت فى الأصل قرية صغيرة يسكنها صيادون.

وحين اختار المركز «تشنزن» لكى تصبح أولى المناطق الاقتصادية الخاصة، كان الهدف الأكبر أن تكون منافساً لهونج كونج، وأن تعلو فيها ناطحات السحاب وتتمركز فيها شركات كبرى فى كل المجالات، وأن تصبح نقطة جذب للاستثمارات الدولية، وبما ينفى عن هونج كونج سماتها التى تميّزت بها من قبل، كمقاطعة ذات اقتصاد مزدهر ومتنامٍ وحيوى.

وقد سمعت هذا الحديث من قِبل مسئول صينى فى إدارة منطقة «تشنزن» أثناء زيارة لى فى عام 1988، ولم تكن «تشنزن» سوى فى بدايتها، وبعد أربعة أعوام، وفى عام 2002 وأثناء زيارة ثانية شهدت بأنه تحقق الكثير مما قاله المسئول الصينى، إذ بدأت عملية خفض مكانة هونج كونج الاقتصادية، مقارنة بالمناطق الاقتصادية الخاصة على البر الصينى.

وهو ما يمثل جانباً آخر من جوانب عقدة هونج كونج بالنسبة للمركز.

ويذكر هنا أن إسهام هونج كونج الاقتصادى كان يقارب 28% من الناتج الإجمالى للصين 1993، ومع النهضة الاقتصادية للصين، بات إسهام هونج كونج فى حدود أقل من 3% حسب بيانات عام 2017.

 

 

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل