التبادلات الثقافية والأدبية بين الصين والعرب

فى خلال فعاليات الدورة السادسة والعشرين لمعرض بكين الدولى للكتاب ٢٠١٩ فى مركز المعارض الدولى الجديد بمشاركة نحو 2600 عارض من 95 دولة ومنطقة، لعرض أكثر من 300 ألف عنوان على مساحة تقرب من 106.8 ألف متر مربع، تم تدشين موسوعة «تاريخ التبادلات الأدبية الصينية العربية»، التى قام بتأليفها الأساتذة الصينيون «تشى بو هاو» و«دينغ شو هونغ» و«تسونغ شياو فاى»، الذين نجحوا فى إظهار عمق التبادلات الأدبية والثقافية بين الصين والدول العربية، وهو ما يبشر بمستقبل مشرق فى العلاقات بين الجانبين.

ولقد بدأ ترجمة موسوعة «تاريخ التبادلات الأدبية الصينية العربية» إلى اللغة العربية المستشار الثقافى المصرى السابق فى بكين الدكتور حسين إبراهيم، بالمشاركة مع الدكتورة نجاح أحمد عبداللطيف فى عام 2016، الذى صادف عام التبادل الثقافى المصرى - الصينى، حيث شهد حفل توقيع مخرجات حقوق النشر للنسخة العربية للموسوعة، وإنه بعد ثلاث سنوات تم إطلاق الموسوعة بنسختها العربية، وشارك فى نشر هذا العمل الذى يورّث ويرسخ لروح التعاون والتبادل على طول طريق الحرير، ويبنى لمستقبل المصير المشترك للبشرية، كل من مؤسسة دار نشر شاندونغ التعليمية، ومؤسسة دار الحكمة للاستثمار الثقافى والنشر، ومؤسسة منشورات ضفاف، ومؤسسة منشورات الاختلاف، ومؤسسة دار الأمان للنشر والتوزيع.

وترصد موسوعة «تاريخ التبادلات الأدبية الصينية العربية» مسيرة التبادلات الثقافية والأدبية منذ القدم بين الحضارتين الصينية والعربية، والترجمات الصينية الأولى للأدب العربى، كما يسلط الضوء على الأدب الصينى فى الدول العربية، ورحلة التبادلات بين الأدباء العرب والصينيين والأحداث التاريخية، التى واكبت محطات حركة التبادلات الأدبية بين الجانبين، كما ترصد موسوعة «تاريخ التبادلات الأدبية الصينية العربية» التاريخ الطويل للأمة العربية فى التواصل التجارى والثقافى والأدبى مع الصين، حيث عرفت الصين العرب منذ القرن الثانى قبل الميلاد مع رحلة المبعوث الصينى تشانغ تشيان إلى الغرب فى عصر الإمبراطور هان وو دى، ثم عبر طريق الحرير البرى القديم وطريق الحرير البحرى (طريق التوابل) اللذين شهدا تدفّقاً للتجار العرب على الصين لتنتعش التبادلات الثقافية والأدبية إلى جانب التجارية بين الجانبين يوماً بعد يوم.

ومن أوائل المترجمات عن العربية كانت فى عام 1890، حيث ترجم ما آن لى «البردة» للبوصيرى، ونشرها فى مدينة تشينغدو فى نسخ مطبوعة على ألواح خشبية باللغتين العربية والصينية. وتبعها عدد من الإسهامات الجليلة فى التبادلات الثقافية الصينية العربية، منها ترجمة «ألف ليلة وليلة» ورائعة ماو دون «منتصف الليل».

وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، ومع تعزيز الروابط الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول العربية، تطورت التبادلات الثقافية والأدبية، لتصل إلى ذروتها بعد إطلاق العنان لسياسة «الإصلاح والانفتاح»، حيث تطوّر تعليم اللغة العربية فى الصين بشكل ملحوظ، وأقبل عدد من أساتذة الجامعات والباحثين المتخصصين ومحبى الأدب العربى على ترجمة الأعمال الأدبية العربية من مصادرها.

وإلى جانب تراجم القصة والشعر والأعمال الشعبية كانت هناك أيضاً تراجم لتاريخ الأدب، على سبيل المثال ترجمة لو شياو شيو وياو جيون ده لكتاب هاميلتون كيب «موجز تاريخ الأدب العربى» عن الإنجليزية، وترجمة لى تشن تشونغ كتاب «تاريخ الأدب المصرى المعاصر» للعالم المصرى شوقى ضيف، وترجمة تشى بو خاو لكتاب حنا الفاخورى «تاريخ الأدب العربى» وترجمة وانغ وينهو، ويوان يى فن لكتاب أحمد هيكل «الأدب القصصى والمسرحى فى مصر».

وعلى الجانب الآخر، فقد أولى العلماء العرب اهتماماً كبيراً بالكلاسيكيات الصينية، حيث تُرجمت «محاورات كونفوشيوس» و«كتاب الطاو» و«تشوانغ تسو»، و«فن الحرب لسون تسى بين» و«كتاب الشعر»، كما ترجموا أشعار باى جيو يى، وتاو يوان مينغ، ولى تشينغ تشاو، ووانغ واى وغيرهم من الشعراء. وهناك أيضاً تراجم مبسطة لـ«قصص الأساطير الصينية» و«الأساطير الصينية القديمة» و«رحلة إلى الغرب» و«على حافة الماء» و«حلم المقصورة الحمراء».

وقد انتبه الباحثون العرب لأهمية ترجمة الأعمال الأدبية الصينية المعاصرة فى التعريف بالمجتمع الصينى وحياة شعبه وسلوكياته فترجموا «أغنية الشباب» لـتشانغ شيان موا، و«زهرة السوسن» لـرو تشى جيوان و«الحب لا ينسى» لـتشانغ جييه، و«المرأة نصف الرجل» لـتشانغ شيان ليانغ وغيرها من الأعمال المهمة لأديب نوبل الصينى مويان، وأعمال لجيل الوسط من أدباء الصين، مثل يوهوا وسوتونغ وليوجين يون شيو تسى تشن وجى دى ماجيا وغيرهم، ووصلت الأعمال الصينية الأدبية المترجمة عن الصينية إلى نحو ١٥٠ عملاً أدبياً حتى اليوم، صدرت عن دور نشر عربية أهمها بيت الحكمة للاستثمارات الثقافية والهيئة العامة للكتاب والمركز القومى للترجمة بمصر وغيرها.

وتتميّز خطوة «تصدير» حقوق النشر للنسخة العربية للموسوعة وإصدارها بأهمية كبيرة فى تعزيز توريث روح التعاون الودى لطريق الحرير فى إطار مبادرة الحزام والطريق ودفع التواصل والتبادل الثقافى بين الصين والعرب، ويجب تركيز الجهود على تحقيق نشر وتوزيع جيدين بعد عملية الترجمة عالية المستوى، لتدخل هذه الموسوعة مزيداً من المكتبات الجامعية والمكتبات العامة، ليتمكّن مزيد من القراء فى الدول العربية من التعرف على تاريخ التواصل الإنسانى الأدبى الصينى العربى، حيث ستوزع الموسوعة من خلال تعاون دور النشر العربية على المكتبات العامة بكل الدول العربية وأقسام الآداب والعلوم الإنسانية والتاريخ وأقسام تدريس اللغة الصينية، إضافة إلى مكتبات بيع الكتب ومواقع البيع بكل الدول العربية. كما ستنظم لها ندوات للنقاش والترويج بمعارض الكتب العربية.

وشهد حفل تدشين موسوعة «تاريخ التبادلات الأدبية الصينية العربية» حضور وو شو لين نائب الرئيس التنفيذى لجمعية النشر الصينية، وتشونغ جى كون الأستاذ بجامعة بكين، وتشى بو خاو الباحث فى الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وسط حضور عدد من الأدباء والإعلاميين والشخصيات الاجتماعية.